كلود صالحاني - محرر الميدل إيست تايمز ومحلل سياسي مقيم في واشنطن العاصمة، والمقال ينشر بالتعاوون مع
06 سبتمبر 2009
تشكّل الأحداث التي تلت قرار الحكومة الاسكتلندية الأخير إطلاق سراح عبدالباسط المقراحي، عميل المخابرات الليبية السابق الذي حُكِم عليه بالسجن مدى الحياة لدوره في عملية تفجير رحلة بان آم رقم 103 فوق مدينة لوكربي، تشكّل حالة دراسية عن سوء الفهم العميق وسوء التواصل الموجود بين معظم العالم الإسلامي والغرب.
يمثّل المقراحي صورة كل ما هو «شرير» بالنسبة لهؤلاء الذين يعتقدون أنه مذنب بارتكاب العمل الوحشي: رجل ساهم بموت 270 شخصا على متن طائرة تجارية و11 شخصا على الأرض. ولو أنه وجد مذنبا بجريمة كهذه في بلده ليبيا، لكان على الأرجح أُعدم من قِبَل الدولة. ولكن وزير العدل الاسكتلندي كيني ماكآسكل يقول إنه أطلق سراحه كفعل رحمة، حيث يقال إن المقراحي يعاني من سرطان البروستات، وقد أعطاه أطباؤه فترة ثلاثة شهور من الحياة.
أظهرت الحكومة الأسكتلندية رحمة وتعاطفا عندما أمرت بإطلاق سراحه بشكل مبكّر، وهي مشاعر لم يوفّرها المقراحي بالتأكيد لركاب الرحلة بان إم 103.
إلا أنه ولدى عودته إلى طرابلس، استُقبِل استقبال الأبطال من قِبَل جماهير تم نقلها إلى مطار طرابلس الدولي على متن حافلات استأجرتها الحكومة الليبية.
لاحظ التباين بين الظروف المحيطة بإطلاق سراحه وتلك المحيطة بعودته إلى وطنه: من ناحية، تم إطلاق سراح مجرم على أسس إنسانية، ومن ناحية أخرى جرى استقبال ذلك المجرم وكأنه نجم من نجوم موسيقى الروك.
كيف يمكن أن يُنظَر إلى نفس الرجل عبر عدستين مختلفتين إلى هذه الدرجة؟
يتوجب علينا حتى نبدأ بالإجابة على هذا السؤال أن ننظر إلى ما وراء المقراحي، ولوكربي وحتى ليبيا، وأن نفكك بعض الجدل الطويل المتوتر القائم بين الدول ذات الغالبية المسلمة والدول الغربية.
يستطيع المرء أن يضع القرار الاسكتلندي أمام مضمون السياسة الخارجية الأوروبية والأميركية الأوسع، وأن يطرح السؤال: ما الذي يدفع العديد من الغربيين الذين طالما دافعوا عن حقوق الأفراد لأن يهتموا بحياة شخص واحد، ولكنهم لا يفكرون مرتين وهم يلقون الصواريخ والقذائف على قرى بأكملها لقتل قائد واحد من الطالبان؟
كذلك ظهر التوتر جليّا بين الاهتمام ببعض الأفراد وتجاهُل آخرين عندما طار الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون إلى بيونغ يانغ لإطلاق سراح صحافيّتين أميركيتين من أصول آسيوية كانتا قد اعتقلتا من قبل حرس الحدود الكوريين الشماليين بعد عبورهما البلاد خلسة. بالمقابل، لم تعطِ الإدارة الأميركية السابقة أهمية لاعتقال مئات السجناء دون محاكمة في معتقل خليج غوانتانامو وسجن أبو غريب، أو إعادة أفراد متهمين بالاشتراك في أعمال إرهابية إلى دولهم الأصلية، حتى عندما كان المسئولون الأميركيون يعرفون تمام المعرفة أن هؤلاء المتّهمين سوف يتعرضون للتعذيب هناك.
تعمل أحداث كهذه من الكيل بمكيالين على الانتقاص من النية الحسنة التي نشأت نتيجة المساعدات الغربية السخية للعديد من الدول العربية والإسلامية وعلى إفشال الكثير من العمل الإيجابي الذي تقوم به العديد من المنظمات الغربية في أنحاء العالم. ويناقش بعض الذين يقللون من قيمة هذه الأعمال بأن بعض السياسات الغربية تكون حتى ضارة للناس الذين يفترض أنها تمد لهم يد العون.
إلا أن الشكاوى الشرعية ضد الغرب لا تبرر التصرف بأسلوب يستحق الشجب المماثل بمجرد أن تسنح الفرصة لذلك. لقد أضاعت القيادة الليبية الفرصة لإثبات أنها على استعداد فعلا لاعتناق العدالة والمعايير الدولية بأسلوب له معنى.
يتوجب على المجتمع الدولي أن يتحرك قُدُما بأسلوب صادق والذي سيتطلب الكثير من كلا الجانبين.
نحتاج نحن في المجتمعات الغربية، حتى ونحن نرثي أحداثا مثل لوكربي، إلى الاعتراف بعدد المرات التي نغلق فيها عيوننا أمام مقتل هؤلاء في الدول ذات الغالبية المسلمة، حيث تحظى الأهداف الاستراتيجية بالأولوية على قيمة الأفراد.
يستطيع هؤلاء في الدول ذات الغالبية المسلمة، بل يتوجب عليهم مطالبة الحكومات الغربية بالالتزام بالمعايير الدولية، كما يتوجب عليهم أن يحاولوا الالتزام بها هم كذلك. لم يحدث ذلك عندما عاد المقراحي إلى ليبيا. إذا استطاعت الدول ذات الغالبية المسلمة الحفاظ على مبادئ حقوق الإنسان العالمية والعدالة بأسلوب له معنى، فقد يكون بالإمكان أن يجد الغرب شيئا يتعلمه منها.
العدد 2558 - الأحد 06 سبتمبر 2009م الموافق 16 رمضان 1430هـ