العدد 314 - الأربعاء 16 يوليو 2003م الموافق 16 جمادى الأولى 1424هـ

لا تجعل شعورك بالحيرة سببا في ضياعك

كثيرة هي الأحاسيس والمشاعر التي تختلج داخل الإنسان، منها ما نستطيع تلمسه واكتشافه ومنها ما لا نستطيع تمييزه، وأحد هذه المشاعر هو الشعور بالحيرة.

فالحيرة مفهوم وشعور طبيعي ينتاب الإنسان عندما يكون غير قادر على اتخاذ قرار يخصه حيال موضوع ما، وهذا قد يسبب له الكثير من الإحساس بالقلق والتوتر العصبي والشعور بالضياع وعدم الاستقرار الفكري وربما يتصاعد الأمر إلى الإصابة ببعض أنواع الأمراض الجسدية المختلفة، إذ ان غالبية هذه الأمراض سببها يرجع إلى طبيعة الحالة النفسية التي يعيشها الإنسان. وفي اعتقادي أن هناك أسبابا كثيرة للشعور بالحيرة منها الرغبة في الإقبال على عمل ما لا يرتضيه الله أو البشر، ومنها أيضا التقارب الشعوري لدى الإنسان تجاه شيئين متشابهين، كما في رغبة السفر إلى دولة تتقارب مع أخرى في الطبيعة وأطباع الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم، فهو هنا يواجه صعوبة في الاختيار بين الدولتين. ومن أسباب الحيرة الرغبة في تفسير ما يقصده الآخرون من وراء أقوالهم وأفعالهم، وكذلك الحيرة في تحديد نوع المسار الأكاديمي الذي يجب انتهاجه حيث التضارب بين الرغبة في التخصص في مجال دراسة معين ومتطلبات سوق العمل وما تحدده من أنواع المهن المتوافرة وغيرها من أسباب تكمن وراء الشعور بالحيرة.

وعلى اعتبار ما يمكن أن يكون للحيرة من آثار سلبية على النطاقين النفسي والجسدي، ما يهدد كيان الإنسان... إذ لابد له من البحث عن طرق للتخلص من الحيرة كأن يكون الدين عماده ومرجعه الأول في الابتعاد عن أهواء النفس وشرورها التي يوسوس الشيطان للإنسان بها، ومن تلك الطرق أيضا أن يجعل الفرد كبارا في السن مستشارين له في الأمور التي يستعصي عليه اتخاذ قرار حاسم بشأنها وذلك بحكم ما لديهم من خبرة كبيرة في الحياة، وأن يتخذ الفرد أسلوب التفكير العلمي كأسلوب أمثل في حل المشكلات التي تعترضه، إذ يتلخص الأسلوب العلمي في عقد مقارنة بين الأمرين اللذين يصعب عليه تفضيل أحدهما على الآخر عن طريق تحديد الإيجابيات والسلبيات لكل منهما، ومن ثم الأخذ بالأمر الذي تكون إيجابياته أكثر من سلبياته، كما يستطيع الفرد أن يحدد الصديق الأمثل في الحكمة والوفاء الذي يعتمد عليه في حفظ أسراره ومساعدته في نقل رأيه ووجهة نظره إلى الآخرين بطريقة جيدة في الحوار يتمكن على إثرها من إقناعهم بفكرة هذا الشخص الذي احتار في إقناعهم.

ولا يفوتني أن أنوه إلى فائدة الشعور بالحيرة عندما تشغل بال الإنسان، على رغم الآثار السلبية السالفة التي تطرقت إليها، فهي إلى جانب ذلك إنما تصنع من الإنسان الشخص المفكر، المكتشف بل والمبدع أحيانا وخصوصا إذا لقي هذا الشخص من يعينه على توجيه تفكيره الوجهة الصحيحة واستطاع التخلص من الحيرة التي كانت تجتاح كيانه وتسيطر عليه، فالتأريخ مليئ بالشخصيات والأعلام الشامخة التي خدمت البشرية باكتشافاتها المتنوعة وفي مجالات كثيرة كالعلوم والرياضيات، ويعتبر اسحق نيوتن واحدا من أشهر العلماء العظام على مر العصور وقد ولد في وولز ثورب في مقاطعة لنيكوليشر بانجلترا ودرس العلوم والرياضيات في جامعة كمبرج، ومن إنجازاته المهمة بالإضافة إلى تفسير الجاذبية الأرضية اكتشافه أن ضوء الشمس مزيج من ألوان قوس قزح، كما صنع تلسكوبا رأى بواسطته أقمار المشتري.

أعتقد أن بإمكان كل شخص أن يجعل من حيرته أداة ووسيلة تصنع منه شيئا يخلده التاريخ.

وفاء عاشور

العدد 314 - الأربعاء 16 يوليو 2003م الموافق 16 جمادى الأولى 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً