فقدت الأمة الإسلامية والعربية الاثنين الماضي بحرا من بحور العلم والمعرفة، الخطيب أحمد الوائلي. لقد كانت للشيخ الوائلي منزلة عظيمة عند جميع الأطياف والمذاهب بشتى صورها... إذ كان أحد الرواد الذين يدعون إلى التقارب بين الأديان والثقافات والمذاهب... وكانت له بصمات واضحة على ذلك.
وكان الشيخ الجليل الوائلي رحمه الله وأدخله فسيح جناته ملهما بل ومقربا من قلوب الملايين في جميع أقطار العالم من خلال محاضراته وخطبه الرنانة الهادفة المتعلقة بأهل البيت وما جرى عليهم من مصائب... وخصوصا عرصة كربلاء وما جرى على الإمام الحسين (ع) وأهل بيته.
وكان يطلق عليه ألقابا كثيرة... منها خادم أهل البيت... وعميد المنبر الحسيني... والموسوعة الشاملة في فكر أهل البيت... وجامعة متنقلة، وغيرها من الألقاب والأوصاف التي تليق بمكانته العالية الراقية وكان بحق أهل لها.
ولم تأتِ مكانته هذه اعتباطا... وليست فراسة مكتسبة... بل من خلال مشواره الطويل أكثر من 50 عاما قضاها في خدمة الدين الإسلامي الحنيف... وكان متمكنا وواثقا من المسائل الحياتية والعلمية، وارتباطه قوي بالدين وبالقرآن من خلال اطلاعه الواسع ومعرفته الشديدة بألوان المذاهب الأخرى والمراجع والبحوث المختلفة. بمعنى أدق أنه موسوعة كاملة إن صح التعبير... لما له من خلفية قلما تجد لها نظيرا في حاضرنا اليوم... وكانت محاضراته وخطبه المتعلقة بالأمور المعيشية والحياتية والدينية الشاملة تكفي لتدوين مجلدات وكتب مختلفة... وتكون كتبا معاصرة تتعلق بالبحث والمعلومات الشاملة والعلم والدين.
إن فقد هذا العالم الجليل الكبير هو خسارة لا تعوض... ولكن لا راد لقضائه، وأمانة اختارها رب العالمين في البقعة الطاهرة، أرض الأئمة الأطهار (أهل البيت عليهم السلام). وقد كانت هي أمنية الشيخ الوائلي أن يدفن في وطنه بعد إبعاد قسري ومطاردات من جهاز المخابرات الصدامي وجلاوزته لأكثر من 30 عاما في الغربة بين لندن وسورية وبقاع الأرض.
وقد شرفه الله تعالى واستجاب له دعوته بثلاثة أيام فقط من عودته... بدفنه في النجف الأشرف التي تضم مرقد الإمام علي (ع). وقد سخر له رب العالمين سبل العودة بعد عناء طويل مع المرض أولا إلى بغداد «الكاظمية» التي شيّع فيها ثم حمل إلى مسقط رأسه النجف الأشرف من قبل تلك الجموع المؤمنة الصادقة الكبيرة المتلهفة لرؤيته... على الأكتاف وسيرا على الأقدام تقديرا لمنزلته العظيمة في قلوبها وفي قلوب الملايين من محبيه وعشاقه من جميع أقطار العالم.
طبت حيا وطبت ميتا في رحاب الله، ورحمة الله على عميد المنبر الحسيني الشيخ المبجل أحمد الوائلي وأسكنه الفسيح من جناته... مع النبيين والشهداء والصادقين وحسن أولئك رفيقا. قال تعالى: «والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا» (سورة النساء: 57).
علي ثامر
العدد 314 - الأربعاء 16 يوليو 2003م الموافق 16 جمادى الأولى 1424هـ