على باب شقتــه خرجت لي ابنته «وديعة» ذات العينين البريئتين والابتسامة المتناهية في العفوية؛ لتأخذني لأبيها الجالس في صالة شقته المتواضعة والتي لا تختلف عن كثير من شقق البحرينيين الأصليين من حيث مساحتها الصغيرة وتواضع أثاثها، وحيث يجلس علي جعفر علي (38 سنة) تدور من حوله أربع من زهوره اليانعة وهم صغاره: حسين (11 سنة) وجعفر (9 سنوات) ووديعة (5 سنوات) وآخر العنقود عباس (شهران ونصف).
ونحن جالسون كانت الحرف اليدوية تزين بيته والناظر اليها لا يحيلها البتة إلا الى واحد من أولئك الذين يتقافزون في حركتهم ويتناهون في مرونة حراكهم وسعة قوتهم التخيلية، لكن... ليس بالمستحيل أن نرى رجلا كـ (علي جعفر) وصل الى ما وصل إليه أولئك عبر تفجير إرادته وتجاوز عقبة إعاقته الكبيرة والتي جاءت متأخرة ولم تأت في سنينه الأولى، إذ كان لين العظام الذي بدأ معه تدريجيا في العام 1989م قد أحاله على التقاعد من وزارة الأشغال في العام 1995م ولم يثنه بتاتا عن رهاناته مع الحياة وتحديه لشظف الموانع وقسوة الانحباس تحت وطأتها - أي الإعاقة - وكان الرجل بحق المرسخ - لمن عرفه عن قرب - المعنى المجسد لما نسمعه عن «قوة الإرادة» وترادفاتها المختلفة والتي تعطينا عادة دفعات من الحماسة ضد المثبطات ودفقات للتقدم بدلا من الوقوف في جمود على المعكرات من الحياة المليئة بالمصاعب والمطبات وذلك من خلال منجزاته ومعنوياته.
فعلى رغم إعاقته التي جــعلته في بيتــه مرابطا يسكن الرضى في داخله كما تسكن العروس بيتها وهي سعيدة، وعلى رغم تلكم الظروف يسكن علي جعفر مسكنه من دون أن يخرج كما يسكن الصبر الإيمان الحق، لينفض من على معنويته حالات الاختلاف التي لمسها بين سنينه الأولى وكثرة خروجه والتصاقه بالمجتمع ومع سنينه الأخيرة التي لازم فيها بيته لا طواعية راضيا محتسبا يبـتسم لما هو صلاح من الله معتقدا أن في كل شيء نفعا من العلي القدير لعبده وإن كان ذلك العبد جاهلا بمخفيات ذلك النفع.
بعد تبادل الحديث عن حالته وكيفية المفارقة بين ما كان من ترابط واجتماع وحضور في مجتمعه والمحيط، وبين مكوثه اللاإرادي في البيت ورضاه عن وضعه باحتساب صادق، التفت ببصري الى تلك الملتمعات من مباخر وسفن وحصالات أطفال تتناهى في روعتها وتتألق برونقها، مزينة بحضور المرايا في كل قطعة، ليرى كل واحد منا ابتسامته وملامح دهشته إن أمسك بقطعة من تلك القطع، وسألناه عدة أسئلة عنها، وهذا نص الحديث:
منذ متى بدأت نشاطاتك الحرفية تلك؟
- بدأتها قبل عدة سنوات، قد أستطيع أن أقدرها بثلاث سنين تقريبا.
ما العوائق التي واجهتها في صنع تلك القطع الإبداعية؟
- العائق الوحيد الذي مازال يقلـل من تدفق مصنوعاتي هو مرضي فقط، إذ انني لا أنجز أية قطعة من تلك القطع التي تراها إلا بعد جهد كبير أبذله.
حسنا، افترض أن الجهات المعنية رسمية كانت أو غير رسمية عرضت عليك ورشة لتقوم بأعمالك فيها، فهل تقبل العرض؟
- طبعا لا...
لماذا؟
- لأن حركتي صعبة، وقد أجد العون في حركتي من قبل أولادي وزوجتي في البيت، ولا أجدها كذلك في الورشة.
ولو عرض عليك شراء مصنوعاتك بأسعار تستحقها بدلا من السعر الزهيد الذي ترضى به من قبل جيرانك واصدقائك، فهل تقبل ذلك؟
- (صمت قليلا) نعم أقبل ذلك بترحاب...
هل شاركت في أي من المعارض التي تقام للحرف التي تصنعها؟
- للأسف لم تسنح لي الفرصة بذلك، ولربما كان الأمر مرتبطا بعدم وجود من يستطيع أو يعرف كيفية إظهار ما أصنعه.
كم من الأشياء والقطع صنعت؟
- حوالي ستين قطعة.
بعد ذلك استأذنته شاكرا إجاباته وحسن ضيافته، وخرجت وأنا مشدود «بمحيرات» تلج أفكاري لتخرج منها أسئلة، إذ انني لم استطع أن استل كل ما ترمز إليه عينه من طموحات وأمنيات، ولعل عدم الإفصاح ذلك آتٍ من كوني صحافيا ليس بيدي حل ولا ربط (كما يرى)، وها هنا أسجل أسئلتي التي دارت في تفكيري وقد تدور في تفكير أي منا حينما تتكشف له ظروف كظروف علي جعفر، فمن تلك الأسئلة الكثيرة: ما أسباب عدم إظهار المؤسسات المعنية لرجل مبدع كهذا الرجل؟ أين هي الرعاية التي تتحدث عنها وسائل الإعلام بكثرة تصل أحيانا الى درجة مبالغة؟ هل هو إغفال من قبل أهله لعدم إيصال منجزاته الى تلك المؤسسات لإلقاء الحجة عليهم؟ أم هو تغافل من تلك المؤسسات؟ إن كان السبب هذا أو ذاك، فإن حسه المبدع الآن قد ظهر للجميع بما فيهم المؤسسات المعنية، فهل سنرى من يدعمه ويزيل عنه محدودية عيشه التي تتكور على محدودية راتبه التقاعدي الزهيد؟
العدد 326 - الإثنين 28 يوليو 2003م الموافق 29 جمادى الأولى 1424هـ