العدد 390 - الثلثاء 30 سبتمبر 2003م الموافق 04 شعبان 1424هـ

الحال الثقافية والمجتمع الأهلي في البحرين

مراجعة «الحال الثقافية» بين الحين والآخر، بل ومراقبتها وتسجيل نقاط تقدمها أو تأخرها ضرورة تتجاوز المهمات الكمالية أو الترفيهية التي ربما نسمح لأنفسنا بالاشتغال بها في بعض الأحيان، وذلك لما تعنيه تلك المراجعة والمراقبة من إحساس بأهمية الثقافة في صوغ نسيج المجتمع وتوجهاته في كل مرحلة زمنية، وهي أهمية لا يجادل بشأنها غير أولئك المفلسين ثقافيا والمتخلفين فكريا.

ولكن حينما نتحدث عن الحال الثقافية في أي مجتمع أعتقد أننا بحاجة إلى إبراز مقياس دقيق يمكن من خلاله تحديد وقياس تطور أو تدني هذه الحال فيما تجليه من انعكاسات وما تفرزه من مظاهر على الساحة، وأحسب أن الميزان الدقيق لقياس وضع الحال الثقافية يمكن من خلال تحديد أضلاع المثلث الثقافي، وهي في أي مجتمع كما في مجتمعنا الأهلي في البحرين، تتحدد صورته ضمن الأضلاع الثلاثة الآتية:

الأول: منتجو الثقافة من العلماء وأهل الفكر والرأي، وهؤلاء طبيعتهم أن يكونوا عنصرا فاعلا وليس منفعلا في صوغ الحال الثقافية.

الثاني: متداولو الثقافة من مثقفين متميزين، وهؤلاء يمارسون مهمة مزدوجة في الفعل في العنصر الثالث، والانفعال بالعنصر الأول.

والثالث: متلقو الثقافة من عامة الناس العاديين، وهؤلاء ليس لهم إلا دور التلقي والانفعال بتوسط العنصر الثاني.

وها هنا ملاحظة مهمة تتعلق بهذا التقسيم، وهي أن هذا التقسيم يأتي في سياق اجتماعي تنظيمي يهتم بتحديد المسار الطبيعي الأولي لعملية التداول الثقافي كما يفترض أن تكون، وهذا لا يعني أن هذا الترتيب قد لا يتجاوز أو يتم الإخلال به لسبب أو آخر، وهو ما ينشأ عنه ما يمكن أن نسميه «أزمة» في الحال الثقافية، وقد تتحول الأزمة إلى كارثة إذا ما اختلطت الأوراق وتشابكت الخطوط إلى حدّ الفوضى وافتقاد القدرة على تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ولاسيما في ظرف تعدد البدائل واحتراف التقليد، وهي مهمة بات الكثيرون يبرعون فيها في أيامنا هذه، وفي مثل هذا الجو تبرز الحاجة إلى تمثل ما قاله نبي الله عيسى لحوارييه: «خذوا الحق من أهل الباطل، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق، كونوا نقاد الكلام فكم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب الله، كما زخرف الدرهم من نحاس بالفضة المموهة، النظر إلى ذلك سواء، والبصراء به خبراء» (بحار الأنوار، المجلسي ج2، ص69).

نقد الوضعية الراهنة

لأضلاع المثلث الثقافي البحريني

من المشروع والمهم في الوقت نفسه أن نقوم بتمرير نقد أولي يتناسب مع حجم هذا المقال للوضعية الراهنة للحال الثقافية في البحرين عبر نقد أضلاعها الثلاثة المذكورة أعلاه، وبطبيعة الحال إن هذا النقد يستوعب كما هو واضح جميع قطاعات المجتمع الأهلي المنتجة والموصلة والمستهلكة للبضاعة الثقافية والفكرية المعروضة في السوق الثقافية للمجتمع الأهلي في البحرين، وعلى كل حال دعونا نبرز ما نحمله من نقد تجاه أضلاع المثلث الثقافي في البحرين بالقول:

أولا: بالنسبة إلى الضلع الأول من أضلاع المثلث وأعني بهم منتجي الثقافة والقائمين على إبداع الصورة الثقافية في أي مجال من مجالاتها المعرفية فما أحسبه أنهم في وضع لا يحسدون عليه، فالبحرين - وبكل أسف - وكما سنبرزه في مؤاخذاتنا القادمة أضحت تتمثل مهمات إعادة إنتاج وتكرار ما يصدر إليها من هنا وهناك، وقلّ أو عدم فيها النتاج المبدع والمبتكر، وقد شهدت العقلية البحرينية ضمورا غير مسبوق ولا مبرر خلال خمسة العقود الأخيرة على أقل تقدير، ما حرم الجميع من عطاءات سابقة تميز بها علماء ومفكرو البحرين واستطاعت أن تفرض احترامها وتقديرها على كل من اطلع عليها أو سمع عنها.

ولا شك في أنها وضعية غير مرضية وحال ليست صحية أبدا تحفزنا للتفكير الجدي في التعرف على أسباب الظاهرة وما يقف وراءها من أجل تجاوزها باعتبارها محنة في الشأن الثقافي البحريني، وحينما أقول انها محنة فهذا يعني أنها تجاوز حدود الأزمة وتخطت معدلاتها ما يستوجب إعلان حال الطوارئ القصوى، إن لم يكن عند الجميع فعلى أقل تقدير عند المعنيين بالشأن الثقافي والمعرفي في هذا البلد المعطاء.

ثانيا: بالنسبة إلى الضلع الثاني من أضلاع المثلث الثقافي، وأعني بهم متداولي الثقافة، ومن يطلق عليهم اليوم اسم «المثقفين»، فهؤلاء على رغم أنهم يحتلون موقعا متميزا في عملية التداول الثقافي وهم بمثابة المتلقي الأول للنتاج المعرفي والثقافي في أي مجتمع، وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي يفترض أن لهم دورا لا يقل أهمية عن دور منتجي الثقافية والمعرفة إلا فإننا حينما نريد أن نفتش عن مثل هذه الطبقة في الواقع الثقافي البحريني نجد أنها ضمرت وتآكلت، ولم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء.

ولا شك في أن افتقاد هذه الطبقة وضيق مساحتها في المجال المعرفي يجسدان خللا كبيرا في مسار العملية الثقافية، فالعملية الثقافية على رغم تمايز المنتج فيها من حيث طبيعته ومضمونه عن المنتج في الأسواق الاستهلاكية للبضائع المادية، فإنه من حيث القوانين ننفتح على كثير من التشابه بين البضاعة الثقافية والبضاعة السوقية، فكلتا البضاعتين تخضع لمعايير محددة تتناسب مع أهداف إنتاجها وتسويقها، ومن خلال توافرها أو عدم توافرها على تلك المعايير توصف بالحسن أو السوء، ويتعامل معها بالرفض أو القبول، ولا شك أن عملية الإنتاج تتوقف في نجاحها على عملية التسويق والتصدير، وهي المهمة التي يفترض أن يقوم بها المثقفون في الشأن المعرفي والثقافي، فهم من يتلقون المعرفة والثقافة من منتجيها ثم يعيدون إنتاجها وتكرارها وتصديرها وتسويقها إلى المستهلكين العاديين الذين يمثلون الشريحة الكبرى من أفراد المجتمع الأهلي.

وفي هذا المضمار لابد أن يقوم المثقف بعملية (فلترة) وفرز للمنتج الثقافي الذي يتلقاه ويطلع عليه قبل أن يصل إلى أيدي وعقول المستهلكين ممن يفتقدون القدرة على التمييز بين الصالح والطالح، وهنا يبرز بشكل أساسي دور الطبقة المثقفة في تحمل مسئولياتها التوعوية تجاه المجتمع الأهلي بأن يكونوا «نقاد الكلام» كما عبر روح الله عيسى بن مريم في حديثه السابق.

ولأننا نعتقد أن انسحاب هذه الطبقة عن ممارسة مهماتها واختلال وظائفها وربما غيابها وانعدامها في مجتمعنا البحريني بات يولّد الكثير من حالات التعمية الثقافية والضمور المعرفي لدى بقية أفراد المجتمع الأهلي فإنه يحق لنا أن نوغل في نقد الوضعية التي تعيشها هذه الطبقة، والتي صارت تشهد تناميا ملحوظا في إنتاج «أنصاف المثقفين»، وهي نماذج أقرب ما تكون إلى «المسخ الثقافي» منها إلى المثقف. فما نشهده اليوم في الساحة الثقافية من «نتاج متداول لدى الكثير من أفراد هذه الطبقة خضع مرارا وتكرارا لعملية اعتلاف واجترار، وقد تأخرت مهمة الهضم والاستيعاب كثيرا حتى فقد هذا المنتج أي طعم وذوق، ولذلك لا مناص من تجديد الحال الثقافية الراهنة، وإلا فإننا سنصاب بالموت والشلل بعد أن أصبنا بالكساح والكسل.

ثالثا: أما بالنسبة إلى مستهلكي الثقافة وهم من يمثلون ثالث أضلاع المثلث فحالهم غدت معلومة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل وبيان، فبعد تعطّل العقل (وهم منتجو الثقافة) عن القيام بمهماته في رفد الإنسان بالوعي والمعرفة، وتلكؤ القلب (وهم متداولو الثقافة) عن إنجاز أدواره في بث الدماء الجديدة وحرارة الروح في الجسد الإنساني فأي حياة وبقاء وعطاء واستمرار ونمو يمكن أن يبقى لهذا الجسد الذي سلبت كل أسباب قواه ونموه.

وفي ظل هذه الوضعية البائسة التي يعيشها القطاع الأكبر من أفراد المجتمع الأهلي في البحرين لا غرو ولا عجب إذا ما لاحظنا تنامي وبروز تداعيات الفقر الثقافي والجهل المعرفي، وهي تداعيات تطول أكثر ما تطول هذه الطبقة المحرومة من أكثر المتطلبات أهمية وحساسية في تأسيس بنائها الاجتماعي والتنموي.

وفي ظل الإهمال والتناسي اللذين تشهدهما الغالبية الكبرى من قطاعات المجتمع الأهلي في الشأن التنموي الثقافي من قبل الآخرين صار يجب على القطاعين السابقين على رغم ما يعانيانه من وضع ليس أقل سوءا من هذ القطاع أن يضيفا على عاتق المهمات الملقاة عليهما مهمة تطوير هذا القطاع والعمل على بناء استراتيجية تنموية شاملة إليه في المجال الثقافي بحسب الإمكانات المتاحة.

مؤاخذات سريعة على

الوضعية الراهنة للحال الثقافية

الأولى: ضعف النتاج الثقافي وافتقاده أي تميز على مختلف الأصعدة والمستويات، وهو نتاج يجنح إلى البساطة والسذاجة ويقترب كثيرا من أن يكون مجرد مماحكات ومشاغبات لا تستأهل حتى الالتفات إليها والاعتناء بمراجعتها ونقدها.

الثانية: شاعرية النتاج الثقافي وجنوحه لأن يكون أقرب إلى إبداء المشاعر والعواطف من أن يكون رؤى فكرية وتنظيرات ثقافية ترقى إلى مستويات بناء وتأسيس المشروعات الفكرية والتي تستلزم توافر مواصفات تتمايز كثيرا عن مواصفات النتاج الثقافي المشاعري.

الثالثة: النتاج الثقافي في البحرين على رغم إمكانات اتصاله بالخارج وتطوير نفسه من خلال عملية انفتاح واعية على النتاج الثقافي في مختلف بلدان العالم، والذي تحول اليوم بسبب وسائل الثورة المعلوماتية إلى مجرد قرية كونية، فإنه مازال يحبذ الانغلاق ضمن مقولاته ومستهلكاته التي ينتجها ويعيد تصديرها واستهلاكها من دون أن تشهد زحزحة ولا تغيرا ولا تطورا على مستوى المصطلحات ولا على مستوى المقولات ولا على مستوى المناهج.

والمؤاخذة الرابعة: غالبا ما يأتي النتاج الثقافي في البحرين في جانبه الأكبر - أعني النتاجات الفكرية ذات الصبغة السياسية والاجتماعية والمعيشية والتي تستهدف تطوير التجربة الاجتماعية والسياسية للوطن والمواطن - بوصفه ردود أفعال متتالية تدور في حلقة مفرغة لتكريس المواقف السابقة نفسها التي يتمتع بها كل طرف، وهذا ما يحصر مهمة هذا النتاج في إنتاج واستعادة المواقف وتكرار تأكيد الالتزام بها، من دون أن تبدو في الأفق أية مبادرات جدية لبلورة رؤى مستجدة تكون بمثابة مخارج للخروج من أية أزمة يواجهها المجتمع الأهلي في أي مجال من المجالات.

كاتب بحريني، والمقال

العدد 390 - الثلثاء 30 سبتمبر 2003م الموافق 04 شعبان 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً