العدد 409 - الأحد 19 أكتوبر 2003م الموافق 22 شعبان 1424هـ

وهم الحداثة

المنامة - عبد الأمير داوود 

19 أكتوبر 2003

من منا لم يسمع بمصطلح الحداثة في حياته العامة كمفهوم كثرت جدلياته وسجالاته وأوهامه وأحلامه وتطلعاته؟ من منا لم يتابع حركة هذا المشروع في وطننا العربي والإسلامي؟ وكيف تحول إلى غول يفتك بالنص القرآني لينزع منه القداسة، حتى يكون مجرد نص عادي له تاريخه وزمنه ومرحلته، بل أصبح في قاموس محمد أركون ونصر حامد أبوزيد مجرد كلمات عادية بإمكانهما أن يعبثا فيها كيفما نزعت ثقافتهما للنزعة المادية أو العلمانية من خلال أدوات تتناقض مع ألف باء البديهيات العقلية، متناسيين أن هذا النص القرآني وحي منزل من حكيم وعقل وعلم مطلق؟

إن حركة الحداثة اليوم تحمل شعارات جديدة لكنها لا تتجاوز نقطة محورية في نقدها للخطاب الديني، وهي فصل الدين عن الحياة بذرائع ومسوغات ليس للإسلام فيها دخل، بل تنوع القراءات للإسلام، لأن الإسلام نظام حياة ومشروع حضارة، بل أصبحت اليوم حافزا في إيقاظ الإسلاميين من السبات العميق الجاثم على جسدهم والذي يتمنون فيه نيل حريتهم واستقلالهم وعزتهم، بعد أن كانوا يتنقلون من تخلف وقهر لدولة عثمانية مرورا بانتداب واستعمار بريطاني إلى أن استقر بهم الحال بقبولهم لأنظمة استبدادية لا فرق بينها وبين الاستعمار إلا بالاسم.

أما محاولات الحداثة فهي مضحكة وخصوصا محاولة محمد أركون في فهم الإسلام فهي تحمل الكثير من الأخطاء والمغالطات والأباطيل، والكثير من النقاد حددوا الثغرات في منهجه، نذكر منها ما كتبه أحد المثقفين في صفحة البلاغ الإلكترونية بشأن كتابه «من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي» إذ يقول: فهي تندرج في سياق نقده الحاد والصارم للفكر الديني والتراث الفكري الإسلامي بالطريقة السجالية المعهودة في الغرب. فأركون غالبا ما يصور حاله وكأنه في نزاع وصدام مع الفقهاء والعلماء الدينيين، الذين يشتغل على تراثهم ومقولاتهم واجتهاداتهم، ولعله يريد أن يتمثل دور المثقف الأوروبي في نزاعه مع سلطة رجال الكنيسة الدينيين في كسب الشرعية لصالحه، هكذا في الدفاع عن العلمانية التي يريد أن يبحث لها عن مخرج تتوافق فيه مع الدين، فحين يريد تفسير لماذا لم يشهد الوعي الجماعي الإسلامي المعاصر تلك القطيعة النفسية والثقافية بالدرجة نفسها التي شهدها الغرب المعلن منذ القرن التاسع عشر على الأقل، فإنه لا يريد أن يعزو هذا الاختلاف إلى مقدرة الإسلام على مقاومة حركة العلمنة بفعالية أكثر من المسيحية، لذلك فهو يدعو إلى تصفية ما يصفه بالمواقع التبجيلية والافتخارية التي تزعم أن الإسلام قادر على مقاومة العلمنة بفضل تعاليه الإلهي وحده.

ويعلن «أركون» عن هذه السجالية في أول ما يفتتح به كتابه إذ يرى «أن مسألة الاجتهاد معتبرة داخل تراث الفكر الإسلامي بصفتها امتيازا يحتكره الفقهاء، لذلك فهو يدعو إلى تجاوز المفهوم التقليدي للاجتهاد والممارسة العقلية المحدودة المرتبطة به، وذلك عن طريق النقد الحديث للعقل. لأنه كما يضيف، لم يعد ممكنا للفكر الإسلامي أن ينغلق على نفسه وينعزل داخل إطار العقل الأصولي والاطلاقي الذي لم يتح له أن يشهد حتى أصولية النقد الكانتي وإطلاقية الديالكتي اليهغلي».

الخطورة في مسلسل هذا التيار الفكري اليوم ليست كما عرفناها واستوعبناها على أنها لا تعترف بالدين والمعرفة الدينية المطلقة والقيم العقلية المطلقة، أو حين تجدد دعوتهم الصريحة والمبطنة إلى الانقطاع عن الماضي بالمطلق تحت شعارات تعارض الدين والعلم والعقل والتراث، بل حين نسمع أن هذا الفكر متداول لدى الكثير من شبابنا كإحدى علامات التحضر والانفتاح على العصر، وأنه الخلاص من التخلف الفكري وسيطرة علماء الدين على مستقبلهم، إننا لا نخاف كإسلاميين من حركة هذا الفكر لأننا نعرف ما نمتلكه من تراث ديني حضاري بداخله مخزون لكل زمان ومكان من الحلول لمكشلاتنا الحياتية، بل إننا نخاف على شبابنا حين يصدرون أحكاما ظالمه على ديننا لأنهم لم يقرأوا قيم ومبادئ وفلسفة الإسلام جيدا التي لا تتناقض مع العقل والفطرة والإنسانية ومتطلبات الواقع. إن هذا الفكر الحداثي حين يستهوي أجيالنا الشابة المتعطشة للحرية والاستقلال والكرامة الإنسانية لم يكن السبب في الإسلام، بل النظرة الضيقة للثقافة وفكر وفقه الإسلام والسطحية في فهمه وقلة النتاجات الإسلامية المعاصرة المواكبة لقضايا الحياة وكثرة التشويشات المضادة له، هي من أوصلت شبابنا للارتماء في أحضان تفاهات الحداثة، والخطورة هنا تزداد كلما انعزل وابتعد شبابنا عن الثقافة الدينية الأصيلة، التي تمثل في حد ذاتها إسلامنا الحضاري الذي يعتبر الكمال العقلي والفكري والسياسي والاجتماعي والثقافي والروحي، بدليل النص القرآني قال تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا» (المائدة:3)

العدد 409 - الأحد 19 أكتوبر 2003م الموافق 22 شعبان 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً