العدد 554 - الجمعة 12 مارس 2004م الموافق 20 محرم 1425هـ

قصائد تشبه الأفلام الهندية

المدخل لكتابة قصيدة نبطية، يختلف عن المدخل لكتابة أو انتاج مسلسل بدوي، يكشف فيه ابن شيخ القبيلة عن نفسه آخر الحلقة بعد أن عمل - وهو اللاجئ هربا من طلب الثأر منه الى القبيلة التي استضافته - لدى الشيخ «صبّاب قهوة»! إلا أن كثيرا من الشعراء في نصوصهم لا يختلفون في المدخل لكتابة قصائدهم عن خاتمة أو قرب خاتمة مثل تلك المسلسلات التي لا تختلف كثيرا عن الأفلام الهندية التي أولها قتل ودموع وآخرها انتقام وفرح يعقبه دموع أيضا!

أضم صوتي لصوت الزميل المشاكس محمد أبوعيدة فيما ذهب إليه من حال «أنيميا النقد» على مستوى الشعر الشعبي. اذ تحولت مجمل النصوص الى «كباريهات» أو «عروض أزياء» أو «سرادق لتقديم العزاء» أو «ديوانية» تعج بلاعبي القمار أو متعاطي الحشيش والعقاقير «المنشطة»! فيما هم بعد تعاطيها يعودون أدراجهم «كسالى»، تنبعث منهم روائح الغباء والخمول التي يمكن التقاطها على بعد ميل!

فرق كبير بين أن تكتب بوعي لتوصيل حال تكثف فيها سر قبضك على المدهش مما تم صوغه، وبين أن ترمي من وراء كل ذلك الى تحولك الى «أراجوز» في الحضور، إذ كل الأنظار مصوبة نحوك وأنت لا تحسن لحظتها سوى تبادل الإعجاب بـ «موهبتك» من قبل الجمهور بالإنحناء كما يجب وبما يناسب قامتك وموهبتك! لأنك متيقن من انك لم تبدِ أمرا خارقا يدفع الجمهور المكدس أمامك للتعبير عن كل هذه الحماسة الفارغة، سوى انك أديت دور «البهلول» الذي يزيح جزءا من هموم ومنغصات تجثم على صدره، أو هكذا يتوهم، فيما هو - الجمهور - وأثناء خلود أكثريته الى النوم - الا من رحمه وعيه - تتحول أنت الى «جاثوم» - كابوس - يربض على كل مباهجه، ممعنا فيها رعبا وقض مضجع!

هل نستفز أحدا ممن هم طارئون على الحياة عموما وعلى الشعر خصوصا؟ لا يهم ذلك، طالما أن حاسة الإدراك أدمنتِ الدخول الى غرف عمليات الكيد كلما استفزها كائن أو ذرة لا يمكن رصدها بالعين المجردة، في مشهد متكرر يتخذ فيه «البطل» «الطبْل» قرارا ساذجا بتناول علبة عقار طبي وإفراغها في جوفه في محاولة «انتحار فاشلة» كي يرضخ والد «المتعوسة» فيزوجها إياه! فلا هو مات فأراح واستراح ولا والدها وعى خبث المقلب فزوّج ابنته رجلا هرما لا يفارق كتاب الله، ويحرص على صلاة الفجر، ويعتمر 4 مرات في العام، ويعول 7 أسر فيما يعيش هو على اليسير من الحاجات، وفي الوقت ذاته يجيد وبحب قراءة «طوق الحمام» لابن حزم! وليذهب «البطل» «الطبْل» بعد ذلك الى جحيم يليق به!

بعض الشواعر بينهن أكثر خلق الله مدعاة للتندّر، ليس لأنهن «ناقصات عقل ودين» بل لأنهن أكثر خلق الله نقصا في الوعي بالمقالب التي تحاك ضدهن، سواء كانت تلك الفتاة «مفترضة» في قصيدة «على الطاير»، كما هو «الحب على الطاير» أيام «اللطعة» أمام بوابات المدارس في المرحلة الإعدادية والثانوية، واقتناص النظر للفتيات، بحيث يمكن للطالب وقتها أن يغيّر قناعته 4 مرات في 10 دقائق، أو فتاة «حقيقية» يعشقها أحدهم وفي الوقت ذاته لا يريد أن يقطع على نفسه طريق اللعب بمشاعر وأعصاب فتيات أو نساء شربن «المقلب» بعد كتابة قصيدة لإحداهن فعمد الى نسخها الى عشر نساء في الطرف الآخر من القلب على أن كل واحدة كتبت لها!

ليست مبالغة أو تنفيسا عن كبت مزمن ما ذهبت إليه، فهو معاين ومحسوس ويمكن الإمساك به كما يمسك أحدكم طفله بعد دقائق من ولادته، وكما تمسك جدة حفيدها بعد لثغه الأول، وكما يمسك أحدكم رسالة استغناء عن العمل، أو إشعار تقاعد مبكر من دون أن يعلم عنه شيئا، أو كما يمسك شرطي لصا متلبسا وهو «يبسمل» قبل فتح خزانة في مصنع في منطقة نائية، أو كما تصرخ أم لتعثر وليدها، أو كما يسرق شاعر قصيدة تافهة من دون أن يطرف له جفن لتدلل على تفاهته هو الآخر

العدد 554 - الجمعة 12 مارس 2004م الموافق 20 محرم 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً