يبدو أن وزير الداخلية المغربي السابق إدريس البصري الذي كان يتمتع بنفوذ واسع في عهد الملك الراحل الحسن الثاني قبل أن يقيله خلفه محمد السادس في نوفمبر/تشرين الاول العام 1999، قد تحول إلى «مشكلة» تؤرق باريس التي قد تدعوه إلى مغادرة أراضيها بعد انتهاء صلاحية تأشيرة وجوده بها، وهو ما يخشاه مخافة أن تمتد يد العدالة إليه بعد أن امتدت لعدد من رجالاته الأقوياء بتهم الفساد المالي وخصوصا أن اسمه جاء ضمن التحقيقات التي أجريت مع كل من صهره عمدة الدار البيضاء السابق عبدالمغيث السليماني وصديقه وشريكه في عدد من المشروعات محافظ الدار البيضاء السابق عبدالعزيز العفورة، والمعتقلين حاليا بسجن مدينة سلا بضواحي الرباط، على رغم أن السلطات ذكرت أنه ليس هناك حتى الآن ما يدعو إلى إصدار مذكرة قضائية في حق البصري.
البصري الذي غادر المغرب قبل أشهر إلى فرنسا من أجل متابعة علاجه وبنفقات من القصر الملكي طرق في الآونة الأخيرة أبواب الإعلام الذي قام بتقزيمه كوزير للداخلية والإعلام على مدى أكثر من عشرين سنة ليرسل عددا من الإشارات المتناقضة التي توحي بأنه كان أداة لتنفيذ رغبات الملك الراحل، وبالتالي لا يعقل أن يلاحق لوحده ويحمل مسئولية ما جرى في مغرب ما بعد الاستقلال.
البصري أكثر من ذلك أدلى بدلوه خلال حوار أجرته معه صحيفة «أ بي ثي» الإسبانية في عدد من شئون الساعة التي لا تشغل المغاربة فقط بل محيطهم الإقليمي والعالمي. وأرجع البصري دوافع المتورطين في تفجيرات الدار البيضاء ومدريد إلى ما يحصل في فلسطين تحديدا.
وفيما يخص هيمنة الإسلاميين على الساحة السياسية المغربية وتقهقر القوى الأخرى إلى الصفوف الخلفية أرجع البصري سبب ذلك إلى تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمغاربة، وهو ما يجعل التصويت في الانتخابات آليا لصالح الإسلاميين. كما تطرّق البصري إلى قضية الصحراء والعلاقات المغربية الجزائرية والعلاقات بإسبانيا ومستقبل مدينتي سبتة ومليلية المغربيتين اللتين تحتلهما إسبانيا. وفيما يأتي نص المقابلة «الخطيرة» و«الصريحة» التي تعتبر نادرة لعدم انفتاح البصري على وسائل الإعلام.
اعتمادا على تجربتكم الكبيرة، ما رأيكم في هذا الغليان الإسلاموي الذي يجتاح العالم، وفي المغاربة الذي ارتكبوا تفجيرات الدار البيضاء والمتورطين في تفجيرات مدريد؟
- إن الذين يحملون هذه الأفكار تلقوها في المغرب لوجود تربة ملائمة، على رغم أن البحث عن مسببات ذلك يقودنا إلى ما يحدث بمنطقة الشرق الأوسط، وتحديدا في فلسطين التي ما لم يوجد حلٌ لها فسنرى ظواهر وحوادث مماثلة في العالم العربي والإسلامي. أما فيما يخص الدوافع الأخرى فإني لا أعتقد أنها تحظى بالثقل نفسه.
أما عن كيف يصل هؤلاء إلى مبتغاهم، فإني أجزم بأنه في زماننا الحالي، يجب ألا نستغرب وجود مشروعات انتحاريين لا يحتاجون إلى تعليم عالٍ وتقنية متطورة، فكل المعلومات باتت متاحة أكثر من أي وقت مضى وبحرية في شبكة الانترنت.
في العام 1994 تعرضت مدينة مراكش لأولى الهجمات الإسلاموية في وقت كانت الجزائر تعيش دوامة عنف كبيرة، يبدو أنه يوجد فرق بين تلك الحوادث وما يجري الآن؟
- كثيرا. ذلك أن ما حدث في مراكش كان نتيجة تسلّل أجنبي، بينما ما وقع في الدار البيضاء كان نزاعا بين المغاربة أنفسهم. فالمغرب الذي أصيب بعدوى «الحمى الفلسطينية» القادمة من الشرق الأوسط لم يعد بمنأى عن تأثيراتها بعد رحيل الملك الحسن الثاني الذي كان يخصص إبان حكمه حيزا كبيرا من أنشطته لحل قضية فلسطين ما جعله يترأس لجنة القدس، ونظم في سبيل ذلك عددا من المؤتمرات واللقاءات الدبلوماسية، وكان الناس يثقون به ويتوقعون حلولا، حتى وإن لم تأتِ بشيء. أما ما يشهده العالم العربي فالغالبية من القادة العرب فقدوا أي تأثير في مواجهة الهيمنة الأميركية، بفعل انحياز واشنطن الواضح لـ «إسرائيل».
الموضوعات السياسية يتطرق إليها من داخل المساجد، هل لهذا أي تأثير على أحاسيس الشارع العربي والإسلامي؟
- هذا يعني أن التربة ملائمة لاستقطاب مرشحين عبارة عن أشخاص بسطاء ليست لهم وسائل العيش ولا الاستمرار في الحياة ينساقون بسهولة نحو الأوهام الإسلاموية وتعبئتهم عقائديا ليصبحوا مستعدين للقيام بأي شيء، مقابل الجنة الموعودة. وبهذه الطريقة السهلة تتم هذه الأمور (التفجيرات).
أما فيما يخص الحال الإسبانية التي اعتقد أنها امتداد للظاهرة نفسها، فإنه يمكن الحصول على المال والمتفجرات ووسائل النقل، ويمكن تجنيد مشروعات الانتحاريين بسهولة، إذا الصعوبة تكمن بالأساس في إقناع هؤلاء بالذهاب إلى الجنة.
هل مراقبة المساجد تكفي لوضع حد لظاهرة التطرف الديني؟
- من الصعب مراقبة كل من يدخل المساجد، ومتابعة ما يتهامس به اثنان أو ثلاثة مصلين. إضافة إلى ذلك هناك أسباب دينية تحول دون وجود خيانة بين الأتباع. فالمغرب اتخذ عدة إجراءات لمراقبة المساجد عبر إغلاقها خلال الساعات الفاصلة بين الصلوات دون أن يؤدي ذلك إلى نتائج كبيرة. لتبقى الوسيلة الوحيدة مراقبة ما يقوله إمام المسجد وما يصدر عنه ومناقشته من وجهة نظر دينية، لمعرفة ما إذا كان يحمل بين طياته خطابا متطرفا، على رغم أن هذا لا يساعد كثيرا السلطات خلال تحرياتها.
هل تعتقد أن ظاهرة «الإسلام الجهادي» تشكل خطرا على الديمقراطية في المغرب؟
- بالنظر إلى الوضع الحالي للأحزاب السياسية المغربية سواء كانت محافظة أو اشتراكية أو ليبرالية، وبالنظر إلى الوضع الاجتماعي المتدهور لغالبية المغاربة، فإن أصوات الناخبين ستذهب بشكل أوتوماتيكي لصالح الإسلاميين، وبالتالي لا مجال للمفاجأة إذا تمكن الإسلاميون من إحراز غالبية كبيرة في المستقبل. إلا أنه وبحسب اعتقادي فإني أجزم أنهم (الإسلاميين) أناس حذرون بالنظر إلى عقدهم اتفاقا غير مكتوب فيما بينهم وبين الحكومة، وهو أمر مثير، من أجل عدم تغطية ترشيحاتهم لكل الدوائر الانتخابية. مع ذلك فالفوز والنصر كان حليف الإسلاميين حيثما ترشحوا. ومن الواضح أن الاتجاه الغالب حاليا في المغرب يميل إلى الإسلاميين، وهو ما سيمتد لسنوات مقبلة.
ففي السنوات الأخيرة من حكم الحسن الثاني، باشرنا سياسة إدماجهم في الحياة السياسية العادية من خلال «حزب العدالة والتنمية»، وكان من المفترض أن يحصل الشيء نفسه مع جماعة عبدالسلام ياسين «العدل والإحسان»، إلا أن وفاة الملك المفاجئة أوقفت مسلسل التطبيع هذا.
فما الحل إذا؟ من جهة، لدينا مشكل دولي يتمثل في القضية الفلسطينية ليس المغاربة مسئولين عنه. ولدينا من جهة ثانية مشكل داخلي (مشترك بين مختلف الدول العربية والإسلامية)، وهو مشكل ذو طابع اقتصادي واجتماعي، والآن تظهر القضية العراقية التي ستعمق من حدة الظاهرة الأولى، ولقد رأينا ما فعله الأميركيون في النجف وكربلاء.
أوروبيا، ما الذي يمكن القيام به لمحاربة «الإرهاب الإسلامي الدولي»؟
- هناك عدة وسائل وقائية لمحاربة ذلك، مثل التعاون الأمني وتبادل المعلومات ولكنها تظل محدودة من حيث نجاعتها، ذلك أن الإرهابيين غالبا ما يعيشون في سرية إلى أن يحين موعد تنفيذ عملياتهم وتسديد ضربتهم.
باعتباركم مطلعين وبعمق على أهمية العلاقات المغربية الإسبانية بالنسبة إلى البلدين، هل تعتقدون أنه كان بالإمكان في عهد الحسن الثاني أي عهدكم اندلاع أزمة مثل أزمة جزيرة ليلى؟
- إن ما جرى في السنوات الثلاث الأخيرة بين المغرب وإسبانيا كان نتيجة وضعية اللاتفاهم، وبالتالي أعتقد بأنه على رغم أنني أفضل عدم الخوض في تفاصيل هذا الموضوع، فإنه وبحسب رأيي كان واجبا على المسئولين في العاصمتين أن يرتفعوا بأنفسهم في الحوار. المغرب يتوافر على وسائل متينة للتفاهم مع الأصدقاء الإسبان، أكثر من أي بلد آخر مثل فرنسا أو حتى الولايات المتحدة.
صراع على صخرة!
هل الخلافات ذاتها مازالت تخيم على العلاقات الإسبانية المغربية؟
- قضية الصحراء مازالت قائمة في أجندة العلاقات، فبعد حادث المسيرة الخضراء واتفاق مدريد الثلاثي بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا، الآن الملف موجود بين أيدي الأمم المتحدة. مع ذلك يهم المغرب أن يسود تفاهم بينه وبين إسبانيا. أما بخصوص قضية مدينتي«سبتة ومليلية» فإنه يهمنا كثيرا الوصول إلى اتفاق مع إسبانيا يرعى مصالح الجانبين، وهذا ما أراده الحسن الثاني الذي كان يطالب بإعلان للمبادئ بشأن القضية مؤداه الاعتراف بأن المدينتين موجودتان فوق الأراضي المغربية، وقبول إحداث خلية للتفكير المشترك في مصير المدينتين والجزر من دون تحديد اليوم أو السنة ولا حتى القرن الذي سيجد فيه المشكل طريقه للحل، لكن مع ذلك أعتقد أن القضية ليست حيوية لا بالنسبة إلى إسبانيا ولا بالنسبة إلى المغرب إذ توجد أشياء عدة تجمعهما وهي أكثر مما يباعد بينهما.
وبالعودة إلى سؤالك فإن الفترة الماضية كانت سيئة لكن أمكن تجاوزها. لقد تأسفت لذلك شخصيا، فإسبانيا لها ملك رائع ومثقف، يحب المغرب. والاتجاه الآن يتجه إلى تحميل حكومة خوسي ماريا أثنار مسئولية ما جرى، لكني أعتقد أنه كان رئيس وزراء كبيرا، عمل جيدا لصالح بلاده. وأظن أن ملف الصيد البحري بين البلدين كان السبب الذي أدى إلى مشكلة تلك الصخرة... يا لها من تعاسة... مجرد صخرة. وأعتقد بكل نزاهة ألا يوجد حل أوروبي لمشكلات المغرب من دون أن يمر ذلك عبر إسبانيا.
يبدو أنه ليس هناك أي تفاهم في الأفق بين المغرب والجزائر، والحدود التي أمرتم بإغلاقها مازالت موصدة؟
- (مقاطعا): نحن المغاربة نكن عواطف طيبة تجاه الجزائر شعبا وقادة.
في العقد الماضي، اتهمت الجزائر المغرب بتسهيل عبور الإرهابيين عبر الحدود، من أجل الاستراحة، قبل معاودة شن هجماتهم مجددا داخل التراب الجزائري. ما صحة هذا الاتهام؟
- كنا على علم، لكن لم يكن بإمكاننا أن نقوم بشيء. فهؤلاء الأشخاص كانوا يعبرون الحدود لزيارة أقاربهم وراء الحدود الجزائرية في المغرب، ولم نكن على علم بحقيقتهم، وحتى لو عرفنا بذلك فإنه كان من الصعب متابعتهم قانونيا ماداموا لم يقترفوا أي جرم فوق التراب المغربي. أكثر من ذلك فالجزائريون أنفسهم لم يكن بمقدورهم التأكد من هوية الإرهابيين. ففي مختلف المناطق الحدودية يمكن أن تحدث مثل هذه الأشياء غير القانونية، لكن ما كان سيعتبر خطيرا وخطأ هو لو قدم المغرب أسلحة لهم أو وفّر معسكرات تدريب في إشارة إلى ما توفره الجزائر لجبهة البوليساريو. وقد وضع رئيس الأركان الجزائري الجنرال محمد العماري حدا لمثل هذه الاتهامات وأقر بأنه لا توجد أية شكوك من مثل هذا القبيل تجاه المغرب.
من يملك المفاتيح لفتح الحدود المغلقة بين البلدين؟
- البلدان معا يملكان المفاتيح. فالقطيعة وللأسف الشديد طالت بينهما أكثر من اللازم، وشخصيا أشعر بالأسف لأن الموت باغت الملك الحسن الثاني بعد وقت قصير من انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الذي يعرف المغرب جيدا. اليوم وبعد أن أصبح ملف النزاع في الصحراء الذي أثر على العلاقات بين البلدين منذ العام 1975 بيد الأمم المتحدة فمن المفروض ألا يستمر في التأثير على علاقات الجانبين.
على ذكر ملف الصحراء، منذ توليه الحكم صرح الملك محمد السادس أن المشكل منته وهو في طريقه إلى الحل إلا أن الطريق مازال طويلا؟
- خلال المشاورات الأخيرة لمجلس الأمن التي تمت بحضور كل الدول المعنية بالنزاع تم التصديق على مخطط جيمس بيكر، الذي ينص على فترة انتقالية من أربع سنوات يتمتع خلالها سكان الصحراء بصلاحيات حكم ذاتي موسع يتم بعدها إجراء استفتاء تقرير المصير، ليختاروا بين الانضمام إلى المغرب أو الاستقلال. وأجاب المغرب على ذلك بأن له مجموعة من الملاحظات على مقتضيات تمس خطوطه الحمراء يجب عدم تجاوزها، وأنه بعد الحكم الذاتي لا معنى لاستفتاء تقرير المصير الذي تأثر منذ بداية الأمر.
لكن مجلس الأمن يقول إن مشروع بيكر إما أن يؤخذ كله أو يترك كله؟
- تروج حاليا مغالطة تاريخية سقط فيها مجلس الأمن، يراد منها دفع الأمم المتحدة إلى تقرير المصير من دون معرفة من هم سكنة الصحراء. لقد كان من الخطأ القول إن مخطط بيريز دي كويلار وبعده بطرس غالي، غير قابل للتطبيق. لقد أمسك الآخرون بمخطط بيكر الذي هو في ظاهره يعني الحكم الذاتي وباطنه تقرير المصير وهو ما يلقى الرضا الكامل من قبل الجزائريين، كما أن إسبانيا لم تغير موقفها، إذ تلعب دورها بذكاء يجعلها في غنى عن الاصطدام بالمغرب، لكن مع ذلك يجب الإقرار بأنه من الواضح أنها تتعاطف مع الصحراويين.
هل هناك أي تغيير في الموقف الإسباني تجاه النزاع؟
- قال ثباتيرو إنه سيراجع مواقفه. في جميع الأحوال، لقد أوفد وزير خارجيته أنخيل موراتينوس للجزائر إذ أبلغ قادتها أن إسبانيا لم تغير موقفها. بالمقابل اقترح الرئيس الفرنسي جاك شيراك عقد اجتماع رباعي يضم المغرب والجزائر وفرنسا وإسبانيا، يعقد في منتجع كوت دازور، لكن الجزائريين رفضوا المقترح. الآن يجب البدء من جديد والبحث عن حلول أخرى وهو لن يكون سهلا. أعتقد أن وضع المغرب صعب، فالأميركيون يضغطون علينا لكي نقبل مخطط بيكر الأخير، وهو ما سيعتبر إجراما في حق مصالح المغرب الوطنية.
كيف يمكن إذا الخروج من وضعية اللاحرب واللاسلم، التي طالت كثيرا؟
- لقد صرح الملك محمد السادس بأن حل القضية موجود عنده، ولكن وفي اعتقادي يجب التفكير فيما يجب القيام به. أنا على ثقة بنباهته وبعد نظره لإيجاد حل يأخذ مصالح المغرب في الاعتبار
العدد 658 - الخميس 24 يونيو 2004م الموافق 06 جمادى الأولى 1425هـ