في هذا الزمن الذي نعيشه من النادر جداً أن يكتب للإنسان عمر يصل إلى الأربعين أو الخمسين؛ فلقد كثر موت الفجأة تبعاً لكثرة الذنوب والحوادث المفجعة والأمراض المخيفة.
فإن قدر للإنسان أن يعيش عدداً من السنين ثم جاءت اللحظة التي ينتظرها كل إنسان وهي لحظة الفراق... والوداع الأخير... إنها لحظة أو محطة الإنسان الأخيرة في هذه الدنيا... بعدها ينتقل إلى حياه أخرى لا يعلم أحد ما مصيره فيها... ولكنني أتساءل كثيراً: يا ترى ماذا خلف هذا الإنسان المحمول على الأكتاف؟ ماذا خلف وراءه من ذكرى في النفوس؟ الله سبحانه يتكفل بحسابه وقد وضع في قبره... ولكن الناس الذين عاش معهم وبينهم فترة من الزمن... ماذا ترك فيهم؟ هل ترك خيراً أم شراً؟ كم مرة أسعد إنساناً؟ كم مرة أضحك آخر؟ هل رحم الضعيف؟ كم مرة تصدق؟ كم مرة عطف على صغير أو وقَّر كبيراً؟ كم مرة أبكى إنسانا مظلوما ظلم في حضرته أو من قبله؟
الكثير الكثير من الأسئلة تستوقفني ويطول عندها تأملي... كل منا سيحاسب بعد الموت. ولست بصدد أن أفتش في أخطاء وذنوب غيري، لكنني بصدد أن آخذ عبرة من الموت لي ولغيري بأن نحرص كل الحرص على أن نترك أثراً طيباً في النفوس لتترحم علينا فتقول: رحم الله فلاناً كان رحيماً... عطوفاً يحترم الآخرين ويقدرهم... رحم الله فلاناً كان باراً بوالديه. فهل يا ترى نتعظ منذ الآن ونسعى إلى نشر السلام والحب بمعناهما الحقيقي لا المزيف... الحب الذي يعني أن نفهم الآخرين ونحتويهم ونسامحهم ونعطف عليهم ونراعي مشاعرهم... الحب يعني أن نرحمهم... نرحم الناس ولا نهينهم ونساعدهم ولا نخذلهم في محنهم... الحب يعني أن نحارب الحقد في أنفسنا والحسد في قلوبنا... الحب يعني أن ننشر السلام ولنبدأ من أنفسنا فأسرنا فمجتمعنا الصغير إلى المجتمع الكبير... وفي النهاية نخلق الذكرى العطرة في كل من فرق بيننا وبينه الموت ليذكرنا بخير ويترحم علينا. قلت سابقاً: أنا لا ادعو إلى مدينة فاضلة كالتي نادى بها الفلاسفة ولكني أدعو إلى الحب... أن نعيش الحب في أعماقنا... أن نعرف معنى الحب.
منى طرادة
العدد 826 - الخميس 09 ديسمبر 2004م الموافق 26 شوال 1425هـ