العدد 826 - الخميس 09 ديسمبر 2004م الموافق 26 شوال 1425هـ

رداً على حملة التهجم على العلماء

التطاول والتهجم على الشخصيات العلمائية ورجالات الدين العظام أمثال السيدالسيستاني من قبل بعض الناس له عدة أسباب تختلف من شخص إلى آخر.

أحد هذه الأسباب هو العداء والاستهداف إلى كل ما يرتبط بالدين من معتقدات أو شخصيات، فهذا الانسان الذي لا يتحمل أن يتدخل الدين في حل بعض المشكلات السياسية ولا يحب أن يرى علماء الدين في محل الربط والعقد في أمور الناس المختلفة، تراه يحقد على هذه الفئة فلا يحترمها ولا يعطيها وزنها الحقيقي ولا يقدر عطاءاتها للناس مهما قدمت ومهما أعطت. هذا نوع من التفكير عند البعض تجاه العلماء بل تجاه الدين بأكمله.

وواضح أن من يتبنون هذا السبب وهذا التوجه لا يمتون للحضارة والموضوعية بقرابة أو صلة!

السبب الآخر للتهجم على العلماء من قبل البعض هو اعتقاد هذا البعض أن كل علماء الدين وجميع طلبة العلوم الدينية لا يفهمون في أمور الدنيا ولا يفقهون شيئاً في أمور السياسة، وهذا الكلام عارٍ عن الصحة تماماً.

نعم، ليس كل علماء الدين يقرأون في السياسة ويفهمونها تماماً مثل أية طبقة أخرى من المثقفين والكتاب والصحافيين، وليسوا كلهم يفهمون ويحللون في أمور السياسة وهذا أمر طبيعي غير مستهجن ولا غريب، فلكل شخص في أي مجتمع ميول وتوجه يديره ويبدع فيه أكثر من غيره ولهذا كانت التخصصات والتقسيمات في المجتمعات.

ثم إن التاريخ يكذب أصحاب هذا السبب الذين يصفون كل العلماء بالجهل في السياسة.

أليس السيدالخميني «قدس» عالم دين كون دولة أفضل في بعض جوانبها من دولنا الديمقراطية؟ أليس السيدنصرالله عالم دين قاد حزباً وطرد الاحتلال الاسرائيلي من لبنان وهو ما لم يحققه أي سياسي من قبل ولا من بعد على مستوى الصراع العربي الصهيوني؟ أليس عزالدين القسام عالم دين ناجز الاحتلال واستشهد وقدم ما قدم للانتفاضة؟ أليس القرضاوي عالم دين وهو الآن يواجه حملة شرسة من اليهود والأميركان بسبب اطروحاته وأقواله؟ وماذا عن مواقف وآراء السيدفضل الله؟ وماذا عن الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والسيدمحمد باقر الحكيم والسيد موسى الصدر والشيخ مهدي شمس الدين وغيرهم الكثير من علماء الدين الذين كان لهم دور بارز وآراء قيمة في إدارة الساحة وتوجيهها.

فلا يمكن بعد ذلك أن نتكلم عن أخطاء وعن هفوات في السياسة أو في غيرها عند العلماء فقط لأنها طبيعة بشرية عند كل الناس وبين كل الفئات وليست حكراً على علماء الدين كما يحلو للبعض أن يصور الوضع.

وعلماء الدين في البحرين ليسوا بعيدين عن السياسة وعن الساحة بل على العكس من ذلك فقد قادوا الناس ووجهوهم فأصابوا في بعضها - كما الآخرين - وأخطأوا في بعضها - كما الآخرين - فلا مجال للمزايدات بعد ذلك.

وهناك سبب آخر وأخير في اعتقادي لهذا التهجم على العلماء وهو جهل بعض الناس بحقيقة دور الدين ودور علماء الدين في حياة الناس وأمور المجتمع.

يقول الرسول الأعظم (ص): «من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم» وكلمة «أمور» في الحديث الشريف لا تحدد أموراً معينة دون غيرها بل هي مطلقة على جميع المستويات سواء كانت أموراً اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، هذا على افتراض أن مثل كل هذه الأمور يمكن فصلها عن بعضها بعضاً. فكما يعلم الجميع أن التخصصات اليوم أصبحت مترابطة ومتصلة بأكثر من طرف.

ولتعلم عزيزي القارئ أن الاهتمام بحياة الناس على جميع المستويات من صلب الدين واهتماماته وهي بالتالي من صلب مهمات العلماء، بل أصبح العالم الذي لا يسعى إلى المساهمة في حل مشكلات الناس المعيشية أو الاجتماعية أو السياسية لا يطلق عليه «عالماً» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

ولو رجعنا إلى العلماء وسألناهم ما مصدر علومكم وتعلمكم فسيشيرون إلى القرآن والروايات الصحيحة. وبمراجعة بسيطة لهذين المصدرين نجد أنهما ركزا على أمور حياتية مختلفة وإلا فما معنى تعبيرات الآيات القرآنية بأن الله لا يحب المفسدين وأن الله لا يحب الظالمين وأن الله لا يحب المسرفين وأن الله لا يحب الكافرين، أليس هذا منهجاً وخطاً واضحاً للحياة كل الحياة، ولذلك تكلم العلماء وانتقدوا وأحياناً هاجموا الظلم والظالمين وحاربوا الفساد والمفسدين وغيرها على كل المستويات.

أختم كلامي لأقول: لقد استطاع السيدالسيستاني وهو مرجع العراق الأكبر أن يفرض على الحكومة العراقية المؤقتة والاحتلال الأميركي الوجود العلمائي والموقف الديني في أكثر من قضية ولم يخطئ في مواقفه هذه، بل كان موفقاً فيها إلى حدٍ كبير بشهادة الخبراء والمراقبين على عكس نظرة من يحملون توجه السبب الأول أو توجه السبب الثاني أو الثالث.

أين هي الموضوعية؟ وأين هو الاتزان في الطرح يا أصحاب حملات الهجوم على العلماء؟ أو انهما أمران لا ينسحبان عندكم على هذه الفئة العظيمة!

حسين العالي

العدد 826 - الخميس 09 ديسمبر 2004م الموافق 26 شوال 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً