العدد 833 - الخميس 16 ديسمبر 2004م الموافق 04 ذي القعدة 1425هـ

تنقلب الموازين فيصبح الصالح طالحاً!

صورة من صور الفساد الإداري

هذه صورة من صور الفساد المالي والإداري المستشرية في الكثير من الشركات والمؤسسات الكبرى، والتي عانى ويعاني منها الكثيرون، ممن لا حول لهم ولا واسطة، ما أوقعهم في براثن بعض المتنفذين والمهيمنين على الإدارات ودوائر التوظيف في تلك المؤسسات والشركات، والذين أعطوا ضمائرهم إجازة مفتوحة وذلك لضعف إيمانهم وغياب وازعهم الديني، وراحوا يتصرفون ويتحكمون في مصير الناس بما تمليه عليهم نفوسهم المريضة ومصالحهم ومنافعهم الشخصية، فظلموا من ظلموا وتسببوا في حرمان الكثيرين من الحصول على حقوقهم المشروعة، أو حالوا دون تحقيق طموحاتهم والحصول على الترقيات في وظائفهم، أو ربما حرموا البعض من الحصول على وظيفة مناسبة لهم، فضلا عن تماديهم في توظيف وترقية بني جلدتهم ومن يجنون من ورائهم مصالح عامة، ما اضطر الكثيرون إلى ترك وظائفهم أو إلى الركون إلى مشروع التقاعد المبكر نتيجة للضغوط والمضايقات والتهميش والتجاهل لهم.

ومشروع التقاعد المبكر الذي اخترعوه في بعض الشركات الكبرى هو في واقع الأمر يصب في خدمة هؤلاء المتنفذين والمسيطرين على زمام الأمور في تلك الشركات - في ظل البطالة وعدم توافر الشواغر - لأهداف أهمها:

أولا: التخلص من قدامى الموظفين أو الذين لا يرغبون في وجودهم في تلك الشركات، ليتسنى لهم جلب بني جلدتهم ومن يحصدون من ورائهم مصالح ومنافع شخصية بدلا منهم.

ثانيا: يلجأ البعض من هؤلاء المتنفذين إلى أسلوب الاختلاس المالي أو الحصول على المكاسب المالية بطرق ملتوية وغير مشروعة، وعندما يكتشف أمرهم تتم لفلفة القضية، ومساعدتهم على الانضمام إلى مشروع التقاعد المبكر، وبالتالي يحصلون على مئات الآلاف من الدنانير وراتبا تقاعديا ضخما، ومن ثم يلتحقون بوظيفة أخرى وبراتب يساوي ضعف راتبهم السابق، أو يفتحون لهم مشروعات تجارية ضخمة تدر عليهم ملايين الدنانير شهريا.

وهذا ليس اتهاما من نسج الخيال، ولكنه واقع كثيرا ما يحدث، وكثيرا ما نسمع بأن المدير الفلاني أو المديرة الفلانية، ضبط متلبسا بالجرم المشهود، وأجبر على التقاعد المبكر، وبعد فترة نسمع أو نرى ذلك المدير أو تلك المديرة انتقلا إلى شركة أخرى، أو حتى إلى وزارة أخرى من وزارات الدولة!

وهذه صورة من صور الفساد الإداري، حدثت لأحد الموظفين الذي وصل إلى درجة إشرافية في إحدى الشركات الكبرى ولم يترك ذلك الموظف بابا إلا وطرقه، وقابل الكثير من المديرين في شركته لطرح قضيته عليهم، ومن ثم حول قضيته إلى اللجنة العامة للعمال في شركته ولم يفعلوا له أي شيء يذكر، ومن ثم رفعها ثانية إلى نقابة العمال في شركته مع ملف كامل يحوي الوثائق والإثباتات الرسمية، ولم يحصل على أية نتيجة أيضا، الأمر الذي اضطره إلى التقاعد مبكرا، وهو يشعر بمرارة ما ناله من ظلم وإجحاف بحقه، ولكون كل هؤلاء الذين استعان بهم لم يفعلوا له شيئا، وذهبت قضيته أدراج الرياح وهي كما يرويها لنا كالآتي:

«بدأت حياتي العملية وأنا في ريعان الشباب كموظف عادي، وشاءت الأقدار أن يبتسم الحظ لي وأحصل على ترقية لشغل وظيفة أعلى بعد حوالي ثمانية عشر شهرا، ما أثار حفيظة وغيرة أقراني وزملائي في الأقسام الأخرى ممن أمضوا سنوات طويلة ولم يحصلوا على أية ترقية، وبعد ثلاث سنوات حصلت على ترقية أخرى لشغل وظيفة إشرافية وبدرجة أعلى.

ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فلقد كان هناك مدير أجنبي يخطط للبقاء مدة أطول مع هذه الشركة، لكون عقده قد شارف على الانتهاء، فقد اقترح على إدارة الشركة دمج قسمين معا في قسم واحد، ونال ذلك الاقتراح إعجاب الإدارة فوافقت عليه، وتحقق له ما كان يتمناه وتم دمج القسمين، ولكون توزيع الدرجات على السلم الوظيفي في القسمين كان مختلفا تماما، تم تصنيفي في مركز أقل ولكن على الدرجة نفسها.

وتغيرت أمور واستجدت أمور، ولم يكن هناك خيار لي سوى الرضوخ والقبول بالأمر الواقع أو الاستقالة من تلك الشركة، ولأنه لم يتسن لي الحصول على عمل آخر داخل أو خارج الشركة فقد قبلت على مضض بما حصل لي ورضيت بالواقع المر وتكيفت مع هذا الوضع.

ولكن بما ان الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، حدثت في السنوات الأخيرة تطورات وتغيرات في تلك الشركة، وجاءت إدارة جديدة لذلك القسم، فقامت بتصفيات وتصفية حسابات في صفوف قدامى الموظفين الذين يشغلون وظائف إشرافية، وأرادوا تحويلهم إلى موظفين عاديين ما دفعهم إلى التقاعد المبكر بعد خدمة تلك الشركة لسنوات طويلة.

ولم يكن حالي بأحسن من حالهم، إذ تم تحويلي إلى موظف عادي مع العلم بأنني كنت أشغل وظيفة إشرافية لمدة تفوق العشرين سنة ودرجتي أعلى منهم، وعوملت كما يعامل الموظفون المستجدون... وفعلا تم ترقية بعض من هؤلاء الموظفين المستجدين لكونهم من بني جلدتهم، وظلت درجتي على ما هي عليه، ولو كان بيدهم لأنقصوا درجتي لولا أن القوانين تحاصرهم، وكل ما تم جاء نتيجة لأهواء شخصية ومصلحية.

وكان من المفروض أن تتم ترقيتي إلى مركز ودرجة أعلى، لكوني شغلت هذا المركز لسنوات طويلة بالوكالة ولكن على فترات متقطعة، فكيف يمكن تفسير ذلك التصرف الأهوج؟! وما مدى التأثير النفسي والمعنوي على أي شخص يتعرض لمثل هذا الهجوم الحاقد؟! وكيف يفسر المدافعون عن حقوق الإنسان وأطباء النفس وعلماء الاجتماع مثل تلك التصرفات الهوجاء، وما مدى تأثيرها على ذلك الشخص المظلوم؟! وليس من المستبعد أن يحدث ذلك أو أنه حدث للكثيرين في مختلف الشركات والمؤسسات.

وليكن في العلم أنني لم أقف مكتوف اليدين، بل تحركت على أعلى مستوى، وقابلت الكثير من المديرين والمسئولين في تلك الشركة ورفعت القضية إلى جهات عليا في الشركة، ولكن لا حياة لمن تنادي... كلها وعود كاذبة لم أحصل منها إلا على السراب، وأحد كبار المديرين في الشركة قال لي بالحرف الواحد «إنه أمر عادي مادام راتبك لم يتغير»، فقلت له: «الحال النفسية والمعنوية أهم كثيرا من المال»... هكذا يفكر مثل هؤلاء، ومنطقهم ينم عن استهتار وعدم اكتراث بمظلومية الآخرين... وأخيرا «لم تجد تلك القضية حلا منصفا وعادلا لي، وأسدل عليها الستار».

إن مثل تلك القضية وغيرها من القضايا تحدث في الكثير من الشركات والمؤسسات الكبرى على مرأى ومسمع من كبار المسئولين فيها، ويكون الموظف المسكين ضحية لأهواء وأمزجة البعض ممن تجرد من ضميره ووازعه الديني، وراح يتصرف بما تمليه عليه منافعه ومصالحه الشخصية.

هذه مجرد صورة واحدة من صور الفساد الإداري، والتي تنحو نحو ما يسمى (بالإرهاب الإداري) ضمن عشرات، بل مئات من صور الفساد التي تنخر في مفاصل تلك الشركات والمؤسسات الكبرى، ولا تجد من يتدخل بقوة من كبار المسئولين، ليضع حدا لما يعانيه عامة الناس من ظلم وإجحاف بحقهم، وحرمانهم من حقوقهم المشروعة، ما يضاعف من صور الفساد والتعسف ويوسع هوة الأحقاد والمشاحنات بين الناس، ويجعل الأوضاع تسير من سيئ إلى أسوأ، وتتعقد الأمور وقد تؤدي إلى عواقب وخيمة لا تحمد عقباها.

محمد خليل الحوري

العدد 833 - الخميس 16 ديسمبر 2004م الموافق 04 ذي القعدة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً