العدد 1113 - الخميس 22 سبتمبر 2005م الموافق 18 شعبان 1426هـ

سر عذاب «ألم»!

مضت أمل في طريقها... ظل ألم يراقبها وهو جالس إلى أن ابتعدت وتوارت. عاد ينظر إلى الطعام الذي وضعته له... وإلى أعضاء جسده المضمدة... وجروحه المطببة... مد يده ليتناول الطعام، لكنه توقف فجأة... عاد يفكر: لماذا آكل؟ وهل بعدما أتعافى بإذن الله سأبقى كما أنا... أم أني سأعود كما كنت؟ كيف باستطاعتها هي أن تتحمل آلام عدم تحقق أحلامها وطموحاتها... كيف؟ إني لأعجب منها! عندما تكسر نفس الإنسان ويستولي الإحباط على روحه يشتته ويحيل كل شيء إلى سواد... يصعب... يستحيل...

فكيف تتحمل هي آلام الإحباط والانكسار... بل كيف تحافظ على معنوياتها العالية؟ ترى هل رأت ادلجاج النهار؟! لو حدث لأصبحت مثلي... واعجبي منكِ يا أمل!

تناول لقمة من الطعام... وإذا باثنين يقتربان منه... الأول بشوش... والثاني عبوس... الأول مقبل مستبشر... والثاني متذمر ومتأفف.

الأول بادره بالسلام والتحية... والثاني نظر له بازدراء وعينه تمعن النظر إلى ضماداته وجروحه... رد ألم تحية الأول ورمق الثاني بنظرة استهجن فيها نظراته خاطب الثاني الأول بلهجة الآمر وقال له: هيا... دربنا طويل... يكفينا أمل...!

نظر ألم إلى الثاني وقال له: هل تعرفها؟ أجابه بتأفف: نعم، هل مرت عليك؟

قبل أن يجيب ألم قاطعه الأول قائلاً: إنها مخلوق رائع... لماذا تتأفف منها؟ رد الثاني في حنق: يكفي... كلما حاولت كسر نفسيتها قاومت... تبدو تارة كعود يابس يسهل كسره... لكنها سرعان ما تقاوم وتثبت وتقوى!

كم حاولت أن أريها الواقع المتشائم... لكن... كله بسببك أنت! تبسم الأول وقال للثاني:

مشكلتك الوحيدة هي أنك تشاؤم... يا توأمي الحبيب!

ردت تشاؤم بتهكم وسخرية: ها ها ها أضحكتني يا توأمي! صمت ألم وتعجب مما يراه أمامه وهو جالس... في حين دنا منه تفاؤل وسأله عن اسمه... رد تشاؤم في عجل:

ألا ترى الضمادات والتعب الظاهر في وجهه؟ هذا ألم الذي حدثتك عنه.

استغرب ألم معرفة تشاؤم به، وقال: أتعرفني؟!

أشاح تشاؤم بوجهه عن ألم في حين قال تفاؤل لـ ألم: نعم... يعرفك ولا تعرفه... أنت مثل أمل... التي أعرفها ولا تعرفني!

تعجب ألم وحوّل نظره من تفاؤل إلى توأمه تشاؤم الذي كان يدور حول نفسه وحول توأمه ويتوارى عن نظرات ألم المستغربة والمتسائلة والمحتارة... تساءل متعجباً:

كيف... أتعرفني؟!

قال تفاؤل لألم المتفاجئ من معرفة تشاؤم به: تشاؤم هو الذي كان يريك جروحك ودماها تسيل وتنزف بينما النزيف توقف والدماء تجلطت! وهو الذي كان ينهك روحك ويكسرها عندما تحلم ويصطدم قارب حلمك بموجة عالية... كان هو الذي يشعرك بأنك اصطدمت بصخرة وتحطم قاربك وتهت في البحر! وعندما كنت تسعى لتصل إلى هدف ما... كان هو الذي يريك المسافة طويلة أكثر عما هي عليه في الواقع... بل وهو الذي يجعلك تتعب بسهولة بسبب الضغط النفسي الذي يضعك فيه عندما يريك كل شيء قاتماً... أو رمادياً... أو حتى ضبابياً لا تكاد تبصر من خلاله شيئاً! تشاؤم توأمي... وأنا أعرفه جيداً!

صعق كلام تفاؤل ألم الذي بدا الغضب والقهر والانفعال جلياً في وجهه وعينيه الجاحظتين وتنفسه المتسارع.. وأخذ يصرخ: أنت الذي حطمتني...كسرتني...

هب ألم من مكانه متناسياً أوجاعه وآلامه... تحركه ثورة الغضب التي شحنت جسده المتعب بطاقة هائلة جعلته يهجم على تشاؤم... الذي فر سريعاً من المكان وهو يقول هاربا: أنت الذي كنت تريد أن تنكسر... وأن تتحطم... أنا لم أفعل شيئاً.

هرع تفاؤل وراء ألم لإمساكه وإيقافه... أمسك يده وطوقه بذراعه... وبعد مقاومة... تراخى جسد ألم المنهك التعب وهو يلهث... احتضنه تفاؤل بكلتا يديه... أعاده إلى حيث يجلس.

جلس ألم وعبرته تخنقه... حاول تفاؤل تهدئته وتوضيح دور تشاؤم فيما مر به ألم... حدثه عن تأثير نظرة تشاؤم الخاصة على واقعه الذي يعيشه... وكيف أن تشاؤم وتأثيره يعتمد على النفس ومدى تقبلها أو رفضها له.

تفاؤل يتحدث وألم بعيد عنه بفكره... تراءت له صورة أمل وهي تقول: الأمل يحتوي الألم... لكن الألم ...

اغرورقت عيناه وخنقته العبرة فأجهش بالبكاء... بكى بحرقة... أخذ يشهق وهو يقول:

كل أوجاعي سببها نفسي! نفسي التي تأثرت بتشاؤم... فأصبح هو عينها وعقلها وإحساسها!

ضمه تفاؤل إلى صدره وحاول التخفيف عنه... قال له: أنت وأمل أشبه بتوأمين... الفرق الوحيد هو بمن تتأثر نفسيتكما... كم وكم حاول تشاؤم مع أمل... لكنها على رغم ضعفها كانت تقاوم... إن قابليتها للتأثر بي أكثر من قابليتها للتأثر بتشاؤم.

هدأ ألم ورفع رأسه ينظر إلى تفاؤل... وقال له: أمل... كم أنا ممتن لها ولك... و... لتشاؤم أيضاً!

ابتسم تفاؤل... وودع ألم ومضى يبحث عن تشاؤم... تاركاً ألم بنفسيته الجديدة.

زهرة عبدالله أحم

العدد 1113 - الخميس 22 سبتمبر 2005م الموافق 18 شعبان 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً