العدد -3 - السبت 24 أغسطس 2002م الموافق 15 جمادى الآخرة 1423هـ

العراق: الغرب بحاجة إلى درس في التاريخ مرة أخرى

تعرض العراقيون للقصف والقتل والغارات، فلا مجال للصفح أو النسيان. فقط علينا أن ننتظر ونرى ما ستكون عليه ردود الأجيال القادمة.

فيليب نايتلي

قبل ان يلتحق طوني بلير بالحملة الجديدة في محاولة لفرض «تغيير في النظام»، كان عليه على الأقل النظر الى الحقائق التاريخية التي تلقي الضوء على صعود القيادات المحلية من امثال صدام حسين. فالبريطانيون - عندما ينظر اليهم بأعين عراقية - قد غزوا وقصفوا هذه البلاد، وكذبوا وراوغوا وغيروا حدودهم وفرضوا عليهم قيادات على خلاف رغبتهم. كانت تزوّر الانتخابات وتستخدم اساليب القمع الجماعي ضد المواطنين. ومما قاله لي أحد الكتاب مؤخراً (واسمه سعيد ابوريش): «اذا كنتم تعتقدون ان صدام حسين شخصية يصعب التعامل معها، فعليكم ان تنتظروا الجيل القادم من القادة العراقيين».

وعلى رغم أن الولايات المتحدة تمتلك القوات المسلحة الاكثر قوة في العالم فان الأميركيين (لا يستوعبون) التضحيات التي تتطلبها الحرب الشاملة في الشرق الاوسط. والشباب العراقي يتسلح برؤية إسلامية بعيدة في اعماق التاريخ، تذهب الى ان الشرق الاوسط لم يكن يرحب بالاجانب مثل الاميركيين والانجليز، ودائماً ما يأخذ ثأره من هؤلاء، الذين يصرون على رؤية المنطقة بعيونهم وحدها.

وهناك حاجة إلى العودة الى الحرب العالمية الاولى، عندما فرض افراد مثل لورنس العرب وونستون تشرشل تغيير اول نظام في الشرق الاوسط، لنرى كيف وصلنا إلى هذه الحال التي نواجهها اليوم. ففي العام 1919، كانت الحرب التي وضعت أوزارها توّاً فتحت الأعين على الأهمية الإستراتيجية للنفط، وليكون تأمين تدفق النفط سلاحاً حيوياً في أي مصادمات مستقبلية كبرى.

وقد أمنت بريطانيا مصدرا واحدا، «بريتيش بتروليوم»، الذي يعود جزء من ملكيته الى الحكومة الإنجليزية، التي استخرجت النفط من مسجد سليمان في جبال زاجروس بإيران، منذ العام 1908، ولكنه لم يكن كافيا.

وحتى قبل أن يبدأ مؤتمر السلام في باريس في العام 1919، حدثت عملية استيلاء على النفط المخزن تحت الارض، ففرنسا على سبيل المثال أعطت بريطانيا المنطقة الغنية بالنفط حول الموصل في العراق، في مقابل حصة من النفط واطلاق يدها في سورية، ولسوء الحظ أن بريطانيا وعدت فعلا بأن تكون سورية للسوريين. وقد كان واضحا للقادة العرب حينذاك ان الضمانات الممنوحة بالحرية والاستقلال التي قطعتها بريطانيا وفرنسا خلال الحرب مقابل دعمهما ضد تركيا حليفة ألمانيا، لن يكون لها أي معنى الآن.

وقد تأكد ذلك في مؤتمر السلام عندما ضغطت شركات النفط على حكوماتها للتخلي عن جميع الوعود التي قطعتها للعرب أيام الحرب. وكانت هذه الشركات تراهن على ان التفاوض حول امتيازات النفط وعوائده سيكون أسهل مع مجموعة من الدول العربية المتنافسة، التي تفتقر إلى الحس بالوحدة، مقارنة بدولة عربية مستقلة وقوية في الشرق الأوسط. ومن السخرية - عندما يقود جورج بوش الابن الآن الحملة الصليبية الجديدة - ان الدولة الوحيدة التي كانت تحتج على التغرير بالعرب هي الولايات المتحدة. والبعثة التي شكّلها الرئيس ويلسون طالبت بوجوب منح دول مثل فلسطين وسورية والعراق، الاستقلال بأسرع وقت ممكن. واستغرق الحلفاء عامين للانتهاء من تقطيع أوصال الشرق الاوسط. وقد صعق العرب حين اكتشفوا أن المستطيل العربي بكامله الواقع بين البحر المتوسط وإيران بما في ذلك فلسطين يجب أن يخضع للانتداب من أجل إخضاعه للسياسات الخارجية لبريطانيا وفرنسا. وما قام به العرب هو مجرد تغيير حاكم امبراطوري - تركيا - لصالح حاكم آخر: الغرب.

واشتعلت الثورة تقريبا في الحال، فالعراقيون حاولوا طردنا بمهاجمة المؤسسات الانجليزية وقتل الجنود الانجليز، والجيش الانجليزي ثأر لذلك بفرض العقوبات الجماعية، وحرق الارض في كل قرية ينطلق منها أي هجوم. وقد كتب لورنس العرب لـ «التايمز» مقترحاً في سخرية ثقيلة، إن حرق القرى لم يكن فعالاً جدا: «بالامكان التخلص من كل السكان في المناطق المهاجمة ومسحهم من على وجه الأرض باستخدام الهجوم بالغازات».

والحقيقة المروعة هي أن شيئاً ما على امتداد هذه الخطوط أخذ يتشكل. فتشرشل الذي كان وزيراً حينذاك للحرب والطيران، اقترح ان يقوم الطيران الملكي بمهمة إخضاع وقهر العراق: «فذلك يستلزم توفير بعض أنواع القنابل الخانقة التي تهدف الى شل بعض (الأنواع) ولكن ليس الموت... للاستخدام في العمليات التمهيدية ضد القبائل المتمردة. وفي النهاية استخدم سلاح الطيران الملكي القنابل الشاملة الباهظة الثمن، وهي الطريقة التي مازلنا نستخدمها اليوم! وعندما عين تشرشل لورنس العرب لتنظيم الفوضى التي تردى فيها الشرق الاوسط، بدأ لورنس بتقديم عرض يصنع من فيصل ملكا للعراق، وهو الرجل الذي اختاره كقائد عربي للثورة العربية، والمشكلة أن هناك عدداً من الأشخاص الآخرين. والاكثر شعبية كان نسخة مبكرة من صدام حسين، القائد الوطني سيد طالب، الذي اكتسب دعما شعبيا من خلال التهديد بالثورة الشاملة إذا لم يسمح للعراقيين باختيار قائدهم، وكان الحل لدينا بسيطا، إذ قمنا باختطافه ونفيناه الى سيلان.

وحينما حان الوقت للسماح للسيد طالب بالعودة، كان الملك فيصل قد تم اختياره ملكا بهذه النسبة العالية المريبة: 96,8 واستمر النظام يتغير. ففي الأردن، عيّنا عبدالله اخ فيصل ملكاً، وزودناه بالمال والجنود، لوعده بكبح النشاط المضاد للصهيونية. كما قدمنا مبلغ 100 الف جنيه سنوياً إلى أبيه حسين، شريف مكة الذي اشعل الثورة ضد تركيا، وهكذا كان. واعتبرت بريطانيا ذلك انجازاً كاملاً لوعودها التي قطعتها للعرب. والعرب لم ينظروا إلى الأمر بالطريقة نفسها، وخصوصا العراقيين، لذلك ظلوا في حال ثورة منذ ذلك الحين. وقد وصل صدام حسين إلى سدة الحكم في العام 1979م على ظهر الوحدة العربية ومقاومة التأثيرالغربي في الشرق الأوسط، وأصبح له أتباعه في الوطن العربي لأنه ينظر إليه بوصفه واحداً من القادة العرب القلائل المستعدين لمواجهة الغرب، وبالذات الولايات المتحدة، التي تُعتَبَر مصالحها في المنطقة حديثة نسبيا. (المستعرب الإنجليزي جون فيلبي، أجرى مفاوضات بين شركة استاندرد أويل أوف كاليفورنيا والسعوديين، وابتدأ الإنتاج التجاري في مارس/آذار 1938م).

وسواءً قبلنا أن صدام حسين يشكل تهديداً أم لا، وسواء كان التهديد كبيراً جداً بحيث يمكن أن يبرر مهاجمة العراق مرة أخرى أم لا، فإنّ علينا أن نطرح السؤال الصعب أولاً: اذا تغلب الصليبيون واحتلوا العراق... ماذا بعد؟وهل انتداب الامم المتحدة من قبيل ما فرض على البلاد بعد الحرب العالمية الأولى، يسمح للجيش المنتصر أن يبقى مسيطراً على الأرض المحتلة؟ أو ربما يتم فرض «فيصل» جديد كدمية على شعب يكرهه؟ كلا الطريقين يؤدي إلى كارثة. والإزاحة الساخرة لقيادات وبلدان الشعوب الأخرى - مهما بدوا بغيضين بالنسبة إلينا - سوف تسبب حتماً تصفية حسابات دموية.

و قد حذّر المستعرب الكبير جرترود بل، ذات مرة من أن شعارات الثورة - المساواة والأخوة - ستكون لها دائماً جاذبية كبيرة في الشرق الأوسط لأن أبناء المنطقة يواجهون نظاماً عالميا يحتل فيه الأوروبيون القمة، مع ما يتم فيه من تعامل الأوروبيين وزبائنهم من القادة العرب للعرب العاديين كمخلوقات دنيا.

وهكذا فان دورة جديدة من الغضب والاحباط وسفك الدماء ستبدأ لأنه بعد الحروب الصليبية بـ 800 سنة سيظل هناك أجانب يحتلون الأراضي العربية.

فيليب نايتلي: مؤلف كتاب

«الحياة السرية للورنس العرب»

خدمة الإندبندنت - خاص بـ «الوسط

العدد -3 - السبت 24 أغسطس 2002م الموافق 15 جمادى الآخرة 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً