بعد «ثورة الضواحي» وتمردها على أجهزة الدولة الفرنسية قبل نحو عام، عاشت المنطقة «93» شمال باريس تمردا آخر ولكنه «رمضاني» هذه المرة، فعلى رغم إعلان المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية يوم الأحد 24 سبتمبر/ أيلول 2006 أول أيام رمضان المبارك، شهدت هذه المنطقة حالا من الصيام يوم السبت استجابة لدعوة من منظمتين مسلمتين ذات ثقل، وهو ما اعتبر حال «تمرد رمضاني» يدلل على ضعف أداء المجلس خلال الفترة الماضية.
وفي جولة في المنطقة «93» لوحظ أن هناك إجماعا شبه تام داخل المنطقة على أن أول أيام رمضان هو السبت؛ إذ خلت المطاعم العربية من روادها فيما شهدت المجازر الإسلامية والمحال التجارية إقبالاً كبيراً قبل ساعات قليلة من وقت الإفطار. ولفت الكثير ممن أبدوا آرائهم أنهم اتبعوا في صيامهم أئمة مساجد المنطقة التي يسيطر عليها المجلس الفرنسي للأئمة.
وقال رئيس المجلس الفرنسي للأئمة الشيخ زهير بريك: إن «غالبية مساجد المنطقة أعلنت الصيام يوم السبت، وبالتالي اتبعت القرار الذي اتخذه المجلس في هذا الشأن».
وأضاف بريك: «إن 11 دولة إسلامية أعلنت الصيام يوم السبت وبالتالي فإن المجلس اعتمد في قراره على الرؤية واتباع قرار المجلس الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة والذي أقر بأن ثبوت أول رؤية للهلال في بلد إسلامي كاف بأن يتبع من قبل بلدان إسلامية أخرى».
وعبر الكثير من شباب المنطقة «93» عن ثقتهم في إعلان أئمة منطقتهم عن أول أيام رمضان، إذ يقول خالد الحناشي (23 سنة) من حي «إبرفيلي» أحد أحياء المنطقة: «مسجد الحي أعلن أن اليوم (السبت) هو أول أيام رمضان، ونحن في الجهة نثق فيما يقوله مسئولو المسجد».
وعن موقفه من إعلان المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، الممثل الرسمي للمسلمين، علق قائلا: «هؤلاء دمى متحركة في أيادي (نيكولا) ساركوزي (وزير داخلية فرنسا) الذي وصفنا (سكان الضواحي) بالأوباش!».
أكبر ضربة
ولم يخف الكاتب العام لـ «اتحاد الجمعيات المسلمة في المنطقة 93»، محمد هنيش والتي أعلنت بدورها أن أول أيام رمضان هو يوم السبت، «أن حال الصيام العام التي شملت ما نسبته 70 في المئة من سكان المنطقة «93» تمثل أكبر ضربة لشرعية المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، والذي فشل حتى الآن في تمثيل مسلمي فرنسا، بل شطرته في المدة الأخيرة الانقسامات، وانعزل عن الهموم العامة لمسلمي فرنسا وخصوصاً أثناء وبعد ما عرف بثورة الضواحي».
وأضاف هنيش «أن صيام المنطقة (93) يوم السبت فضلا عن كونه شرعيا فهو رمزي باعتبار المنطقة (93) هي معقل المهاجرين والإسلام في فرنسا».
وكان المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، وبعد اجتماع له برئاسة، عميد مسجد باريس دليل أبوبكر، أعلن أن الأحد الماضي هو أول أيام رمضان المبارك.
وقال رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية التهامي إبريز، وهو أحد أكبر المنظمات المسلمة المشاركة في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية: «إنه كان توافقا داخل المجلس استنادا إلى الرؤية واستئناسا بالرؤية في الكثير من البلدان الإسلامية أن بداية شهر رمضان هو يوم الأحد».
وشهد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في الفترة الأخيرة انقسامات حادة انتهت بإجبار نائب رئيس المجلس محمد البشاري على الاستقالة من منصبه، كما عرف المجلس، الذي واجه انتقادات كبيرة لجمود نشاطه، خلافات حادة بين كتله وخصوصاً داخل كتلة ما يسمى بـ «المغاربة» أي المساجد التي يسيطر عليها مسلمو المغرب.
ويعيش في المنطقة «93» أكبر تجمع للأقلية المسلمة بفرنسا، ويضم نحو نصف مليون مسلم، كما يوجد بها أكبر عدد من المساجد في منطقة واحدة بفرنسا، وهو نحو 500 مسجد من جملة نحو 1600.
وعرفت المنطقة «93» نهاية العام الماضي بما عرف بـ «ثورة الضواحي» إذ اندلعت فيها الشرارة الأولى لأعمال الشغب التي قادها الشباب المهاجر، وغالبيتهم من أصول عربية وإفريقية مسلمة، ضد وضعية التهميش الاجتماعي والإقصاء والعنصرية في فرنسا.
مع إعلان حلول شهر الصوم الأحد في فرنسا، والتي تعتبر أكثر عبادة يحرص عليها مسلمو فرنسا، شنت منظمات إسلامية حملة لمقاطعة تمور تباع بكثافة هذه الأيام في الأسواق الفرنسية من إنتاج مزارع إسرائيلية، وتسمى «تمور نهر الأردن».
وحذر رئيس اتحاد المنظمات المسلمة حسن فرصادو، بالمنطقة «93» في باريس، من أن التمور الإسرائيلية انتشرت بكثافة قبل أيام من شهر الصوم في كثير من المتاجر الواقعة بالمناطق ذات الكثافة العربية والإسلامية. وقال: «إن المنظمات الإسلامية دعت في هذه المناطق المواطنين إلى الحذر، والتأكد من مصدر العلامة التجارية للبلد قبل شراء أي نوع من التمور».
وأضاف فرصادو أن الاتحاد أطلق حملة توعية بين أوساط المسلمين تؤكد ضرورة «مقاطعة تمور (إسرائيل) التي تعمل على استغلال شهر رمضان للترويج لبضاعتها في السوق الفرنسية».
الشعيرة الأولى
جاء ذلك بينما أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجرته مجلة «لافي» المسيحية بشأن الشعائر الدينية التي تلقى التزاما أكبر بأدائها من جانب الأقلية المسلمة بفرنسا، أن صوم شهر رمضان يحتل المرتبة الأولى في سلم أوليات مسلمي فرنسا.
وكانت النتائج كالآتي: 88 في المئة ممن استطلعت آراءهم يحرصون على أداء فريضة صيام شهر رمضان، بينما أعلن 43 في المئة أنهم حريصون أكثر على أداء فريضة الصلاة، فيما أكد 4 في المئة فقط حرصهم على أداء فريضة الحج، كما أظهر الاستطلاع أن نحو 20 في المئة يقرأون القرآن مرة واحدة على الأقل كل أسبوع.
وفي معرض التعليق على الاستطلاع، اعتبرت صحيفة «لافي» أن مسلمي فرنسا وخصوصا من الجيل الثاني والثالث أصبحوا يعتبرون أكثر من أي وقت مضى الصيام قيمة رمزية لهويتهم الإسلامية.
وكان المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية - الذي يمثل الجهة الرسمية لمسلمي فرنسا - أعلن في اجتماع الجمعة أن الأحد هو أول أيام شهر رمضان المبارك؛ وذلك اعتمادا على الرؤية والحساب الفلكي، واستنادا لرأي غالبية الدول الإسلامية.
وقال - رئيس المجلس - دليل أبو بكر عقب اجتماع المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بمسجد باريس: «إن المجلس واعتمادا على الرؤية والحساب، وتوافقا مع الرؤية في الكثير من البلدان الإسلامية أعلن أن يوم الأحد 24 سبتمبر/ أيلول 2006 هو أول أيام رمضان المبارك».
وكان المجلس الفرنسي للأئمة أعلن السبت الماضي هو أول أيام رمضان. وقال الكاتب العام لمجلس الأئمة الشيخ ضو مسكين: «إن المجلس اعتمد في قراره على الرؤية واتباع قرار المجلس الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة والذي أقر بأن ثبوت أول رؤية الهلال في بلد إسلامي كاف بأن يتبع من قبل بلدان إسلامية أخرى».
وتعيش في فرنسا أكبر أقلية مسلمة في دولة أوروبية، وتقدر بما بين 5 و6 ملايين مسلم من إجمالي عدد سكان البلاد البالغ نحو 60,8 مليون نسمة، وبذلك يُعَدّ الإسلام الديانة الثانية في فرنسا بعد المسيحية
العدد 1484 - الخميس 28 سبتمبر 2006م الموافق 05 رمضان 1427هـ