منذ أن وصلت حاملة الطائرات الأميركية «USS Enterprise» إلى مياه منطقة الخليج قريبة من السواحل الإيرانية، ثارت أعصاب الإيرانيين. ذلك أن وجود حاملة الطائرات الأميركية في المنطقة يرمي لزيادة الضغط على إيران كي ترضى بحل دبلوماسي للنزاع النووي معها. ويقول خبراء عسكريون إنه بوسع «إسرائيل» أيضا استخدام غواصات الدلفين الألمانية التي طورت «إسرائيل» فوهاتها لتصبح قادرة على نقل صواريخ محملة برؤوس نووية على متنها وتستطيع البقاء مدة تزيد على أسبوعين تحت الماء كما أن محركاتها عديمة الصوت. في المقابل فإن إيران استعدت بنوع من وحدات البحرية الفدائية لمواجهة أي تطور عسكري مفاجئ. مما لا شك فيه أن المنطقة تعيش حالة حرب باردة والتحركات العسكرية أحد فصول هذه الحرب الباردة الطويلة الأمد.
منذ مطلع يونيو/ حزيران الماضي توجد حاملة الطائرات الأميركية Enterprise في مياه الخليج وترخي بظلالها على مياهه والمناسبة أنها تشارك منذ وقت في مناورات عسكرية بالمنطقة. لكن مجرد وجود حاملة الطائرات الأميركية والفرقاطات والسفن المرافقة لها في المنطقة الحساسة، يشعر القادة في إيران بعدم الطمأنينة. ويعتبرون وجود القطع البحرية الأميركية مؤشرا على وجود تهديد مباشر هدفه ضرب المنشآت النووية والعسكرية في إيران في حال واجهت المفاوضات الدائرة مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي الفشل وهي الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، الصين وروسيا، إضافة إلى ألمانيا المشاركة في هذه المفاوضات.
وستبقى حاملة الطائرات الأميركية المذكورة حامية للأسطول الخامس الأميركي في المنطقة حتى نهاية العام الجاري. وهكذا تشكل قوة عسكرية عائمة بانتظار ما يمكن أن تسفر عنه المفاوضات السياسية بشأن النزاع النووي مع إيران ومشكلة تخصيب اليورانيوم، إذ إن الغرب يخشى أن يكون تخصيب اليورانيوم خطوة مهمة على طريق صنع القنبلة النووية. وتعتبر حاملة الطائرات Enterprise متميزة كثيرا، إذ إنها تستعرض بوجودها في المنطقة، القوة العسكرية الأميركية التي تحتاج إليها الإدارة الأميركية لإقناع إيران بقبول العرض المقدم من الدول المعنية. بوسع حاملة الطائرات الأميركية البالغ وزنها 93 ألف طن تعطيل أجهزة الرادار في ميناء بندر عباس حيث يوجد الأسطول البحري الإيراني.
لا يعجب المسئولين في طهران وجود حاملة الطائرات الأميركية في الخليج وهم في الغضون أصبحوا يشرفون على استراتيجية ونشاطات البحرية الإيرانية. ويبلغ عدد القوات البحرية الإيرانية 20 ألف جندي ويزيد عددهم على عدد الحرس الثوري. من مهماتهم حراسة منشآت النفط، لكن ليس هناك تكافؤ في التجهيزات العسكرية البحرية فالمدمرات الإيرانية تشبه المتحف إذ يزيد عمرها على خمسين سنة وهي ليست جاهزة للاستعمال. ومن النادر أن تستخدم الفرقاطات الثلاث التي تملكها البحرية الإيرانية. كما أن هناك مركبتين سريعتين في الخدمة لكن عمرهما يزيد على ثلاثين عاما اشترتهما إيران من ألمانيا وليس فيهما تجهيزات حديثة.
لكن البحرية الإيرانية استطاعت بناء نظام عسكري قائم على العمليات البحرية الفدائية من الصعب اكتشافها من قبل السفن الحربية الأميركية الكبيرة وعمادها: قوارب سريعة معدة أصلا للسباقات حولها الإيرانيون إلى سفن قتالية صغيرة لها فاعلية كبيرة. كما يملك الإيرانيون صواريخ صينية، كما كشفت مجلة «جينز إنتيلجنس ريفيو» العسكرية الإنجليزية. وكتب المحلل مايكل نايتس في المجلة المذكورة يقول إنه بوسع القوارب الإيرانية السريعة مهاجمة السفن الحربية الأميركية من مواقع مخفية على السواحل الإيرانية وممارسة لعبة القط والفأر معها وبالتالي تعطيل حركة الملاحة في المنطقة.
ويعتقد الصحافي الأميركي سيمور هيرش الذي كشف عن خيوط فضيحة ووتر غيت وتعذيب المعتقلين في سجن أبوغريب أن الإيرانيين في حال الهجوم على منشآتهم سيستخدمون هذه القوارب السريعة كقنابل مياه واستخدام هذه القوارب ممتلئة بالمتفجرات لتدمر السفن الحربية الأميركية.
في منتصف عقد الثمانينات بدأ الحرس الثوري الإيراني يفكر في استخدام القوارب السريعة خلال الحرب العراقية الإيرانية حين أرادوا تعطيل ناقلات النفط في مياه المنطقة. وكانت الطائرات الحربية العراقية قد ضربت ناقلات نفط إيرانية وبدأت تغير على محطة النفط الإيرانية في «خرج» شمال شرق الخليج، لكن الإيرانيين استطاعوا الرد بقوارب سريعة من صنع سويدي كانت شركات إيرانية قد استوردتها للسباق على المياه قبل وقت قصير. وكان هدف إيران ضرب ناقلات سعودية وكويتية لاعتقاد إيران بأن أموالا سعودية كويتية كانت تدعم العراق في حربه ضد إيران. تدخلت الولايات المتحدة لحماية ناقلات النفط بعد أن كثرت اعتداءات الإيرانيين على ناقلات النفط في المنطقة. حل الأميركيون المشكلة على طريقتهم الخاصة فقد رفعوا الأعلام الأميركية على ناقلات النفط الكويتية وأطلقوا عليها أسماء أميركية مثل Sun City بغرض حمايتها من الاعتداء وبهدف التمويه على الحرس الثوري الإيراني. ولحماية ناقلات النفط التي بدأت تسير كقوافل بحرية كبيرة أرسلت الولايات المتحدة لمياه المنطقة سفناً حربية تزيد على ما أرسلته الولايات المتحدة لغزو النورماندي العام 1944 كما أرسلت حاملة الطائرات Enterprise. شاركت هذه الحاملة في ثلاثة حروب ومواجهات مسلحة أكبرها كان المشاركة في الحرب العالمية الثانية. تدخلت حاملة الطائرات Enterprise هذه مرة أخرى ضد إيران حين سارت الفرقاطة الأميركية Samuel B.Roberts على لغم مائي كان معداً لضرب ناقلة للنفط وأصيب على الأثر عدد من رجال البحرية الأميركية بحروق من الدرجتين الأولى والثانية. وضربت المدمرة الأميركية على الأثر مصافي النفط الإيرانية، ما دفع الحرس الثوري الإيراني للرد بضرب مصفى للنفط تعمل فيه شركة أميركية يقع في الغرب من مضيق هرمز.
استطاعت أنظمة الصواريخ على متن حاملة الطائرات تعطيل عدد من القوارب المهاجمة وإغراق واحد منها بصواريخ تعمل على أشعة الليزر. وكانت هذه الفرقاطات والقوارب السريعة قد انطلقت من ميناء بندر عباس وحين أراد الأميركيون ضرب السفينة الحربية الإيرانية (سهلان) اختبأت هذه بين ناقلات النفط في مضيق هرمز، لكن القوارب المهاجمة استطاعت ضرب صاروخ من طراز إف 14 في طرف من حاملة الطائرات الأميركية العملاقة. في وقت قصير خسرت البحرية الإيرانية واحدة من أهم سفنها الحربية بينما الأسطول الأميركي تكبد خسارة طائرة مروحية، لكن مضيق هرمز تحول إلى ساحة حربية. بعد وقت قصير حلقت في الجو طائرات حربية عراقية من طراز ميراج ضربت ناقلة النفط العملاقة Seawise Giant التي كانت تحمل نفطاً إيرانياً على متنها كما ضربت الناقلة Burma Endeavour والناقة الإسبانية Barcelona.
طبعاً لم ينس المسئولون في إيران دور حاملة الطائرات الأميركية في تلك المرحلة، وخصوصا أن محمود أحمدي نجاد كان في ذلك الوقت رئيس الحرس الثوري الإيراني واليوم يشغل منصب رئيس الجمهورية الإسلامية. كما أن الزعيم الروحي للثورة الإيرانية آية الله الخميني حذر الأميركيين في ذلك الوقت من مهاجمة إيران. ثم قال خلفه آية الله السيد علي خامنئي: من يهدد مصالحنا الوطنية سيشعر بالغضب الإيراني. كان المقصود من التهديدات الإيرانية إغلاق مضيق هرمز وهو أسوأ سيناريو يمكن حصوله في المنطقة. إذا تم استخدام النفط سلاحاً سيصبح ثمن البرميل في السوق العالمية أكثر من مئة دولار. أصبح مضيق هرمز عصب الحياة لسوق النفط العالمية وبالتالي للاقتصاد العالمي. يوميا يعبر المضيق خمس الاحتياجات العالمية من النفط أي 2,7 مليون لتر من النفط الخام. المضيق ضيق، إذ إن سائقي ناقلات النفط يشاهدون بعضهم
العدد 1404 - الإثنين 10 يوليو 2006م الموافق 13 جمادى الآخرة 1427هـ