ما إن يتوارى قرص الشمس وراء الأفق طاويا خلفه يوما من أيام شهر رمضان المبارك حتى ينطلق صوت آخر مدوي ودافئ بعد صوت مدفع الإفطار رافعا كلمة الحق في نداء الصلاة... مبتهلا بعظمة الله وروحية هذا الشهر الفضيل، صوت من مآذن عالية كلها توحد الله فتفوح في الأرجاء عطور ايمانية وروحية بالغة الروعة.
في بيوت الله، يجتمع الصائمون لتأدية صلاة المغرب، وما بين راكع وساجد هناك أناس آخرون يهللون ويشكرون الله بطريقة أخرى ألا وهي خدمة المصلين والصائمين بمختلف جنسياتهم ومذاهبهم بفرش سفر يمتد طولها أمتارا تحوي صنوفا من الأطعمة والمشروبات... أطعمة تعد ميزة لهذا الشهر وأخرى تعد من تقاليد البلد وعاداته ومجهزة لكل مصل وصائم أسوة بسنة رسول الله (ص).
وما إن يفرغ المصلون من صلاتهم حتى يجتمع الكل حول سفرة ويتشاطرون الإحساس بدفء العائلة وحميمية هذا الشهر، وعلى الطرف الآخر يحيا البعض غربة في الوطن، وآخرون غربة في دار الغربة والبعض الآخر يحيا حياة العوز والحاجة لتكون تلك السفر بأحاسيسها ملاذا نفسيا قبل أن يكون ماديا لهم.
مملكتنا لا تبعد كثيراً عن تلك الأعمال الخيرية، وإن اختلف مرتادوها والقائمون عليها إلا أنها تلتقي في طريق واحد وهو نيل الأجر والثواب في هذا الشهر الكريم، جولتنا من خلال هذه السطور المصورة تبدأ بزمان وتنتهي بآخر وتسلط الضوء في مكان وتقف وقفة فاحصة بمكان آخر، فإن كان صوت الأذان هو بداية انطلاق جولتنا، فالحديث مع القائمين عليها يشكل آخر سطورها... وهذه الجولة، تمنحنا الفرصة للتعرف إلى عادة يرى البعض أنها في طريقها إلى الاندثار والبعض الآخر يحاول جاهدا إنقاذ ما يمكن إنقاذه منها والأكيد أن لها أبعاداً لربما لا يعلمها البعض نستعرضها من خلال هذه الجولة.
ومما هو معلوم لدى الكثيرين، نشاط جمعية التربية الإسلامية التي دشنت مشروعها الخيري لشهر رمضان «إفطار صائم» مبتدئاً بـ فلس وجعلته على رأس أولوياتها مستهدفة بذلك الأسر الفقيرة في المملكة بمختلف جنسياتها كما خصصت ضمن نشراتها التعريفية بمشروع إفطار صائم، استمارة استقطاع شهري من الراتب دعماً للأسر الفقيرة.
مشروعات رمضانية
في ربوع إحدى مناطق البحرين - وتحديداً في منطقة مدينة عيسى - سلسلة من المشروعات الرمضانية لا تقل أهمية وجدوى عن سواها تقوم مجموعة من المتطوعين بالتعاون مع صندوق مدينة عيسى الخيري بمتابعتها لتخرج بالصورة التي ترضي سقف طموحاتها... تبدأ بالمائدة الرمضانية وصولا إلى إفطار كل ليلة سبت وانتهاءً بالإفطار الجماعي.
خمسة مساجد تشهد كل ليلة بعد مغيب الشمس موائد طويلة يتزاحم عليها المصلون تضم شتى صنوف المأكولات والمشروبات معدة إعداداً منزليًّا فمن جامع مدينة عيسى الجنوبي إلى الشمالي مرورا بمسجد الإمام الهادي (ع) وصولا إلى مسجد أبوطالب وانتهاءً بمسجد الإمام الرضا (ع) - تحت الإنشاء - وهي أماكن تحوي في ركن من أركانها طاولات يصل عددها إلى ثماني طاولات يرتادها زهاء - مصلياً ومصلية من أصل مصل، وتحوي إفطاراً يومياً وفق ما يشير اليه نائب رئيس مجلس الأمناء بصندوق مدينة عيسى الخيري مجدي النشيط الذي يشيد بكرم الأهالي الذين لا يألون جهدا لمد يد كريمة لإفطار المصلين.
واستوقفنا منظر اصطفاف الصائمين أمام طاولات عدة بنظام «البوفيه» المفتوح والتي تندرج تحت مسمى «مشروع الإفطار الجماعي» الذي ينظم أربع مرات خلال شهر رمضان، وله لجنة تنسيق تعنى بكل ما يتعلق بالترتيب له ابتداء من قائمة الطعام إلى مكوناتها وتجهيزاتها والقائمين على إعدادها فضلا عن المتبرعين بها والذين يأخذون صنفين أفراداً وجماعات.
أحد عشر عاماً من الخدمة الرمضانية
أحد عشر عاما من الخدمة الرمضانية هو عمر العمل الخيري بصندوق مدينة عيسى الذي تميز بنقلات نوعية في تقديم العمل الخيري فبعد أن كان نظام عرض موائد الرحمن بنظام البوفيه المفتوح لجأت اللجنة المنظمة إلى اعتماد صينية الصائم التي تحوي صنوف الأطعمة الرمضانية.
قد يظن البعض أن مرتادي تلك الموائد هم من المحتاجين والفقراء إلا أن الواقع يقول غير ذلك وفق ما يشير إليه النشيط ومن خلال جولتنا تبيَّن لنا وجود شخصيات لها ثقلها من المنطقة، رجال دين وعلماء وعلى مقربة منهم أفراد من المحتاجين وبعض الجاليات الآسيوية والأكثر ممن يرنون المشاركة الاجتماعية.
بمجرد تدافع الصائمين يمكن رؤية محتويات قائمة طعام «صينية الإفطار الجماعي» التي لا تخلو من طبق رئيسي معد بطريقة حرفية وطبق آخر للسلطة والخضراوات والفواكه فضلا عن بعض الحلويات البسيطة وقبل كل ما سبق القليل من التمر الذي لا يغيب عن صينية أي صائم، ويذكر أن هذه الصينية وفق ما يشير اليه النشيط هي من إعداد منزلي تعنى بها عائلة يتم توظيف طاقم عمل لها، تقدم العائلة وطاقم العمل الجهد في حين يقدم الصندوق المال معتمدا على تبرعات أهل الخير.
الشواهد تشير إلى زيادة عدد الصائمين المشاركين الذين يحضرون هذه المائدة فموازنتها لهذا العام وصلت تقريبا إلى دينار بحريني.
مشروعات ي طريقها إلى النور
ومما هو ملفت خلال هذه الجولة كشف النشيط عن وجود توجه مستقبلي للتنسيق مع جمعية المعلمين لإعداد إفطار للمعلمين في منطقة مدينة عيسى للرجال وآخر للنساء اعترافا بفضل المعلم ودوره في المجتمع واستغلال شهر رمضان لترسيخ بعض القيم.
ومن هنا يتضح أن مرتادي تلك الموائد ليسوا من الجاليات أو المحتاجين فقط وإنما هي مفتوحة للجميع وتحتاج إلى مزيد من القبول الاجتماعي باعتبارها تعبر عن المشاركة الجماعية والتكاتف المجتمعي.
بعض الصناديق الخيرية كانت لها رؤية أخرى إذ إنها ترى أن المئونة الرمضانية هي الوسيلة الأفضل لمساعدة المحتاجين في شهر رمضان بحسب ما يقوله رئيس صندوق المعامير الخيري علي عبدالحسن الذي يؤكد أهمية بث الدفء في نفس الصائم وتهيئة السبل له لعيش لحظات أسرية رمضانية، لكن صندوق سار الخيري وعد بوضع مشروع إفطار صائم على طاولة النقاش ودراسة الفكرة لرؤية مدى امكان تطبيقها في الفترة المقبلة طبقاً لتصريح رئيس الصندوق علوي هادي المحفوظ، الذي يرى أن هذه المشروعات فكرة جديدة وجيدة في الوقت نفسه إلا أنها تحتاج إلى قبول اجتماعي وتحسين نظرة الناس إليه
العدد 1492 - الجمعة 06 أكتوبر 2006م الموافق 13 رمضان 1427هـ