المنامة - منى عباس فضل
بثلاث حدقات متحفزة تستطيع قراءة رواية «التزوير» للشاعر والروائي نيكولاس بورن الذي ولد في مدينة ديسبورغ في منطقة الرور الصناعية (1937 - 1979)، وهو ينتمي إلى جيل من الكتاب الألمان الذين اصطلح على تسميتهم بأدباء «ساعة الصفر» أو «جماعة 47» و جيل ما بعد «أوسفتيس» وهم الجماعة التي أسسها الكاتبان «ريختر» و«أندريس» وهم يمثلون المجموعة التي ناضلت ضد آثار النازية وضد الراحة الفكرية والمعنوية، التي تولدت عن المعجزة الاقتصادية. يتركز اهتمام هؤلاء الأدباء على مبدأ تصفية الحساب مع الماضي ودراسة وتحليل المجتمع الألماني على المستويات الفكرية والأيديولوجية والثقافية والاقتصادية والتاريخية لغرض معرفة الدوافع الحقيقية التي أدت إلى نشوب حربين عالميتين مازالت آثارهما تتفجر في صراعات أثنية وطائفية وقومية، ويرى مترجم الرواية العراقي «حسين الموازيني» أن أسلوب التصفية هذا يهتم بالتفاصيل الصغيرة والثانوية وبصدمات فكرية مباغتة... كيف لا وما حدث كان في ظل وجود الفلاسفة والفنانين والأدباء المصلحين والمنتمين إلى العوالم الإنسانية حسب تعبيره.
فحدقتا النظر تلتهم النص حزنا وبتركيز أشبه بالتشييع الجنائزي، وحدقة المخيلة تعيدك إلى مكان وزمان الحدث وإلى ترتيب الأشياء والوقائع والأفكار والسياسة، والمشاعر الإنسانية. تستمد المخيلة قوتها كون هذا الحدث كان ولايزال قريبا منا... نشاهده يوميا وعن بعد على شاشة التلفاز، هي الحرب اللبنانية وتداعياتها وهذه المرة من منظور الآخرين، فالحديث عن الحرب ـ كما يقول المترجم ـ ليست حكمة أو موعظة إنما إعادة صوغ وتركيب لأحداث حاسمة عشناها نحن أنفسنا وقتلت منا الكثير وحطمت أجمل مدينة عرفها العرب في تاريخهم الحديث.
يتميز الراوي نيكولاس بورن بحس إنساني مفرط تجلى في أسلوب وصفه لحدث الحرب وعلاقاتها التي دارت في لبنان بعد شهور قليلة من اندلاعها، لقد عرف عنه بالإضافة إلى نشاطه الإبداعي مواقفه الرافضة للاستعمار الحديث والحرب والتسلح النووي وبناء المفاعل الذرية وتخريب البيئة ومكننة الإنسان.
من بين ثنايا «نص التزوير» تتسنى لنا استعادة الوعي الإنساني المنسوج على اكتشاف الذات والإغراق في كسر الحواجز المغلقة منها... واحتدام الصراع الخفي والعلني والتطلعات الجزئية والتفاصيل في كل ما يشكل ذات الإنسان... وما يتواصل بوجوده حياً وسط علاقاته مع الآخرين.
الشخصيات تبدو للوهلة الأولى عادية، فـ «جيورج لاشن» يتمثل الشخصية المركزية وهو مراسل صحافي أرسلته احدى الصحف الألمانية إلى بيروت لتغطية حوادث الحرب، وهناك يعيد اكتشاف نفسه كصحافي بفعل تداعيات الحرب، فيسكنه قلق مدمر وتتنازعه الأهواء والرغبات. هل نستطيع القول إن لاشن يبحث عن مغامرة في بلد الحرب، أعاشته في كابوس لم يحقق رغباته حتى في كتابة تقارير صحافية تعكس واقعا ما شاهده من صور ودمار؟ هل يمثل الضياع... للجيل الألماني الذي عاش حربه... وينتقل بين أقطار العالم ليجدد الضياع وحياة القسوة مرة أخرى؟ لنقرأه وهو يتحدث عن مرحلة من عمر الإنسان الذي يريد أن يتحلل من أية علاقات والتزامات جديدة: «كان يود الالتقاء بأريانا على انفراد، ويخاف في الوقت ذاته من هذا اللقاء لأنه لا يريد الالتزام بشيء محدد، ولا حتى الشعور بالمسئولية والالتزام بل يخاف من هذا الشعور أكثر من خوفه من الالتزام بنفسه... إنه يكره كل التزام كان قد تعلمه في أطوار حياته وأقام له صرحا ثابتا في نفسه...». ويعكس الراوي مدى تأصل الخواء النفسي والتشكك بالقدرات أمام أهوال الحرب عند الصحافي لاشن حينما يسجل: «أخذ يتفحص محتوى المفردات التي تراءت له مجحفة، وانها فقدت معانيها وقيمتها بين لحظة وأخرى وأزيلت عن دائرة التفاهم، هل يعود السبب إلى الكلمات أم الوقائع والأحداث الهاربة ذاتها أم أنها مجرد كلمات سطحية... كم بدهياً أن تمارس القتل أن تصيب وتصاب أو تدفن تحت الأنقاض ومع ذلك تبدو بدهية تلك الحقيقة المرعبة وهي أنك لا تشعر بأي شيء مما يحدث لك».
تمثل الرواية كتلا رمزية مرتبطة واضحة حينا ومتخفية حينا آخر... فتقودك إلى عقم التحقق مما يريد الراوي الوصول إليه، ومع ذلك فقد كتبت لمن يبحث عن ذاته بين أنقاض الزيف والضيع والتمزق. إن حال التكوين النفسي قابلة للاكتشاف في زمن ومكان آخر غير ما اعتدنا عليه، تجعلك أمام نقيض ذاتك، تكشف عن حال العجز الذي يلوح بك على ضفاف الصراعات والانفلات من القوانين الإنسانية البسيطة، قوانين المحبة والتآلف... هذه القوانين قد تحميك وتحمي الآخرين من رحلة التشرد والضياع والوهم بأنك أنت الحقيقة برمتها، ويكمل لاشن قوله: مما يجعلك تتصدى للآخر بآلة القتل في دورات متتالية يتم التلذذ فيها بالسلطة وبالقيام بدور الجلاد، ووضع حد لحياة الآخرين. إن هذا الشبح الملقب بالقارئ لا يتمتع قط بأي رقابة أو سيطرة على شيء محدد... فالصحافي المتذبذب... الباهت يتحول إلى شهادة عصرية لسقوط النظام المسخ... الذي يدير هذا العالم «إن هذا الموقف يستحضر أمامنا المصور الذي صوّر الطفل الإفريقي بهيكله العظمي والنسر الذي ينتظر موته ليلتهمه، بعدها لم يتوان هذا المصور عن (الانتحار) وإنهاء حياة حافلة من الذل والمهانة مما يلتقطه يومياً ولا يستطيع الفعل إزاءه، فهل ينتهي لاشن بالانتحار؟
يواجه الصحافي لاشن نفسه ويبدأ بحال نفسية متوترة... ملحة الأسئلة: «هل يحتمل أنه لم يعد يفقه شيئا عن هذه المهنة؟ إن هوفمان لا يتعرض عادة إلى صدمة، إلا إذا اعترضت الصدفة نفسها طريقه! إن هوفمان كان يتحلى دائماً بالصبر وهو بالتأكيد لم يتعثر أو ينهزم مرعوبا من ساحة المعركة». ويواصل قراءة النفس مع هذه المواجهة فحال الازدواجية والتناقض عنده تمثلان حالا من التشكيك والطغي بالنفس تجتاحهما مهنة الصحافي، وانه قد يكون أضحوكة للناس وكائنا زائدا على الحاجة عندما يكتفي بتسجيل الحوادث من دون رسم انطباعاته الشخصية فعيناها مجرد عدستين آليتين تريدان تحقيق الارتياح والخلاص. فالإنسان عنده حزين ومنكسر أمام النفس وأمام حقيقة وجوده الذاتي، وعليه فالمسألة لا يجب التفكير فيها بعمق.
لاشن يقول إنه حصل على الأخبار بسهولة ويخترع التفاصيل بنفسه أو ينتزعها من سياق آخر، فالقارئ يتحول وقتها في نظره إلى مجرد كائن تافه لا قيمة له، بيد أن الموضوع لا يتعلق بالقارئ حسبما يراه، إنما بسلطة أخرى تعبر عن وجودها ويعلم إذا ما قام بعمل عليه أن ينجزه وبصورة صحيحة وهذا هو العمل الشريف: الجهد والكد والعطاء. وعليه يجب أن يكون موجودا في كل مكان يموت فيه إنسان ويسجل تفاصيل كل حادثة... كم نتمنى الآلاف من لاشن أول الداخلين في مخيم جنين... وصبرا وشاتيلا... وليكتبوا عملا شريفا... يغنيهم عن مواجهة أنفسهم في منتصف القرن الواحد والعشرين.
أما الشخصيتان التفاضليتان اللتان تناولهما الصحافي لاشن فهما زوجته «غرينا» المقيمة في ألمانيا والصديقة الألمانية المقيمة في لبنان «أريانا»، أرملة اللبناني العربي التي تتوق لتبني طفلا، وهي لا تود ترك لبنان لصلتها الروحية فيه كبلد وقربها من أهله، وهي تتمثل الطباع والرؤية للعادات العربية، والطبيعية الأخرى التي يتعالى عليها لاشن ويراها مزيجاً من التخلف الذي يظهره في نظرته للعلاقة التي يتخيلها بين أريانا والشاب العربي المحارب. تتضح طبيعة العلاقة مع زوجته وهو يسترجع ذاكرة المكان الألماني مع زوجته: «لم لا يستطيعان التوقف عن التربص ونصب الشراك لإحداهما؟ أم أن أحدهما كان يخاف الآخر دائما؟ الخوف من عدم إمكان الانفصال عن الآخر برضى الطرفين ومن البوح بالأسرار لئلا تظهر الخيانة، الخوف من الثقة أم من الاطمئنان أم من انعدامهما؟ بعد تأمل توصل بشكل خفي إلى أنها تحتقره بسبب الكتابة وحدها، فيما مضى كان تقرأ مقالاته فهي تقرأ فيها شخصيته، أما الآن فما يهمها فقط هو المعلومات. إنها حال تعيسة بائسة، تشعر لاشن بأن نفسه مخترقة فهي تسجل تكرار أفكاره بدقة صارمة ومؤلمة مثلما يفعل هو معها...».
تنعدم عند لاشن المسافة بين الصورة والكتابة، أما عند هوفمان، المصور الصحافي المرافق للاشن في مهمته الصحافية لتغطية الحرب الأهلية اللبنانية، فتصل أحيانا إلى انفلات الأحاسيس، وانعدامها الذي يعبر عن خطورة وتأثير ما يجري، فالتفسخ يعبر عن الضياع، وهذا على خلاف ما أظهره لاشن في البحث عن المبعثر، والجنون الوحشي المستلب الإرادة، وعن حقيقة الحرب الدامية في الوطن بعد أن تحول قاطنوه إلى حاملين للأسلحة ومتاجرين ومروجين لها وبقذارة مع تجار الحرب في ألمانيا والدول الأوروبية الأخرى في طريق يبتلع كل الأهل والأحبة.
يستطرد لاشن في وصفه الحرب القذرة: «كان رجال العصابات المسلحة لا يعرفون ماذا سيفعلون بهولاء الرهائن، فبعدما يتأكدون من عدم الاستفادة منهم في عملية تبادل الأسرى يقومون بتصفيتهم وحرقهم أو رمي جثثهم في البحر... قالت أريانا للاشن: إن لكل شخص هنا مقبرة في ذاكرته يحاول أن يتجنبها... إنني لم أفكر طوال حياتي في الموت على أنه شيء تافه مثلما أفعل هذه الأيام. لأن الخطر نفسه أصبح مثيرا للسخرية». وتتحول تصوراته إلى هذيان منفلت وهو يوصف قمة الحدث: التصعيد الحربي، الأوبئة الكثيرة المعدية، قطعان المسلحين المأجورين، سكرات الخوف والكره، القتل والإبادة بغية إرضاء جمهور ثائر متهور متحمس سئم مبادئ الحب الإنساني، بل سئم السماح للآخرين بالبقاء أحياء، هذا الجمهور الذي يريد أن ينظف الله من كل ما علق به من شرك ونظار، جمهور يسعى إلى تحرير نفسه بنفسه... إنه لا يستطيع التطلع إلى وجه أي إنسان من دون أن يشعر بالامتعاض والغثيان. موت جماعي، أرقام، إشارات رعب... كل ذلك مترجم إلى الألمانية، عليك ألا تفسح المجال أمام الوعي والتفكير السليم للاستيقاظ... بل من الأفضل الكتابة بأسلوب التبليغ والاطلاع السريع للتصريف التجاري والموجه إلى القارئ بتواتر لا يتيح المجال للرعب أن يؤثر فيه بحرية ومرونة. ويستطرد في وصف شخصية «رودنك» التي كثر وجودها في أقصى شرقنا وغربنا العربي هذه الأيام، شخصية الجاسوس المتنقل والمتقلب المزاج والمتكيف مع كل الظروف والذي يستطيع أن يحيا في النعيم الشرقي، فيقول: «عن حاضره الأبدي الذي يرتسم على وجهه بعلامات الانتباه المرهف المنسجمة مع حركاته، يفسرها على أنها علامات توتر الأعصاب التي لا تريد سوى الإنصات والتقاط كل ما يدور حولها. إنه يشبه شخصا ما «موزع» الانتباه كالمعلومات التي تحملها الإعلانات الدعائية ويتلقف كل ما يتساقط في شبكته وملتقط في السياق نفسه حصته من المكافأة، فيبدو جاهزاً للحديث في كل وقت ومستعد لجميع أنواع المفاجآت، ينقلب بسرعة البرق إلى صديق حميم أو عدو يقنع الآخر بدناءته وعقدة النقص الكامنة في نفسه لعل الآخر يكف عنه». انظروا حولكم أليس بينكم شخص كهذا خصوصا ما يسمونهم خبراء، ثم يضيف حديثا منقولا عن «رودنك» يعكس رؤية الآخر عن سلوكنا وسيكولوجيتنا كعرب يعبر فيها عن كيفية فهم ضعفنا وقوتنا ومن أين يستطاع أكل لحمنا: «الناس في جونيه يستطيعون مساعدتك. يجب أن تتذكر دائما أن العرب يحبون المظاهر والأبهة والغرور وعليك أن تظهر لهم المجاملة، حاول أن تقول لهم إنك موضوعي وأن تتحدث إليهم بالفرنسية، وأن تعاملهم باعتبارهم فينيقيين لأنهم يعتبرون أنفسهم هكذا على رغم كونهم عربا أقحاح وسيبقون عربا إلى أبد الدهر. وأما مسيحيتهم فهي مجرد أداة دنيوية صرفة، والصليب بالنسبة إليهم ليس أكثر من آلة حديدية يكسرون بها رؤوس الفلسطينيين ويصفون بها حسابهم مع المسلمين. إنهم عصريون شطار ومهرة، إنهم عرب وليسوا فينيقيين... العرب أناس مغرورون وأوغاد خبيثون... و«الفينيقيون اليوم عرب» عليك ألا تنطق بهذه العبارة. العرب يستطيعون التصرف كقطيع من الأوغاد لكنهم يبقون بالنسبة لنا أقرب بكثير من رجال منظمة فتح. هذه زاوية من عبثية الحرب التي تشعل الروح وتظهر المسكوت عنه، وتفضح المسكون في الذات كما تتجلى تناقضاتها حتى مع أقرب الشخصيات. وتقفز لغة تظهر الخواء في علاقة لاشن مع زوجته التي تركها في ألمانيا، يكتب لها خطابات مؤجلة، للانعتاق من علاقتها التي تستهلكه، وتبريرات واقع الحرب في بيروت تلاحقه، وواقع صديقته أريانا التي لم تعد متفرغة إليه، فهي مشغولة بالشاب العربي الذي يتحداه، وعلى عجل يتخذ قرار العودة إلى الوطن بعد تزايد وتيرة الحرب، لكن لغة الصمت والحديث المبتور تبقى المشترك بينه وبين زوجته ومع ذلك يحسم أمر الاستقالة من الصحيفة ويبقى هاجس الزوجة والأبناء وتوقعات الآخر منه مسكونا فيه. وتبقى أسئلة المؤلف عن الصحافي... هل كان دائما على الهامش، مشوها في حريته وحلمه؟ وهي ما تفتح الأبواب أمام اسئلتنا، كيف هي حرية الفرد في عالم نراه متقدما، هل هم مختلفون في جوهر علاقتهم الإنسانية؟ هل هم أسياد المواقف والأماكن التي يكونون فيها وبلا منازع؟ ما حيز الفراغ في دواخلهم خصوصا ونحن نتأمل ما يكتبه لاشن «إن حياتنا المشتركة كانت خاطئة وعبارة عن تزوير تام، هكذا أشعر بها ثم اننا غرسنا كارل وإليزا (الأبناء) في هذا التزوير من دون تأنيب ضمير جاعلين منهما ضمانات ورهانات... إنني لست أكثر من رجل مريض لا يخشى من تزوير حياته وتزييفها... خصوصا بعد أن اتخذ قرارا حاسما في عدم الإقدام على ممارسة التزوير المهني أبدا. نترك بين النهايات نوافذ... لكل الاحتمالات المثقلة بالأمور الثانوية والكبيرة، وبكل ما يلامس الذاكرة من خدش لحاضرنا ونحن نعاصر همجية الحرب على الفلسطيني والعراقي ومستقبلا أي عربي... في زمن الغبن واليأس والقتل والدمار... كل الاحتمالات التدميرية التي يفعلها الآخرون بنا، ترى هل سينامون ليلهم بالسكينة التي يحلمون؟ بعد أن يفنى كل الشعب الفلسطيني، وهل سيتفاخرون ويهزون أكتافهم لأجيالهم، عندما يصبح العربي ماسح أحذيتهم؟ دعوا المخيلة للتعمق في رؤيتهم أكثر... دعونا نكتشف شيئاً مما اكتشفوه فينا... ربما نهدأ أو نحترم ذواتنا أو نتواصل مع ما ضاع منا?
العدد 94 - الأحد 08 ديسمبر 2002م الموافق 03 شوال 1423هـ