العدد 94 - الأحد 08 ديسمبر 2002م الموافق 03 شوال 1423هـ

سعدي يوسف في حضرة الجواهري

الديه - يوسف حسن

في حضور الجواهري، تتساقط فراشات الشعر على شفاه سعدي يوسف، وتنسرب من بين أصابعه في غير نظام طرائد الكلمات الخائفة.

يرتبك النبر الشعري في غيرما إيقاع، كأنما يلتمس ايقاعه من اللا ايقاع.

وعلى فداحة التجربة وعلائقها البينية وبنيوية اللحمة والاطار وعراقة الغربة والسليقة وأرومة اللغة الشاعرة يرتبك سعدي ويلتبس حد الارتعاش.

اليس الجواهري هو عاهل اللغة العربية؟ أليس هو من حمل لواءها... كآخر الاسلاف الكبار

أليس هو ورقة آدم التي سترت عورة الشعر؟

ألم يحمل النير (كاسبا رتكوس) وجرجر صلبان الصلب والمنافي، وتوحد وحيدا مع غيلان الشعر واستباح الوحشة.

في موته، في غيابه الجسدي، في صلب عظامه الصلبة في صعوده إلى الأعلى... سقطت ورقة التوت عن عورة الشعر...

وسعدي يوسف هنا لا يبكي الجواهري... ولا يستبكي الشعر لا يقول رثاء بقدر ما يرثي الرثاء.

لا ينظم كلاما بقدر ما يهتك نظام النظم... في كلام آخر أكثر نضدا من النضيد

لا ويهدل أو يسجع أو يرجع بقدر ما يحفر ويكشف ويضيء

هو الملدوغ الذي تجرع سمّ اللدغ، (والمأسور الذي تاه في الليل آسره).

- يعطي للغة (الكورس) الجمع، نشيدا تهدر به الحناجر المبحوحة... وعلما سامقا خافقا واسعا بحجم الوطن وخفة القميص تتلاقفه الايدي وتحمله الأكتاف فيما اعطى للشعر ما وراء اللغة والاصوات والغناء والنشيد...

ما وراء الجلجلة وجلبة الاصوات وجلالها.

«من مشفى الشام إلى النجمة

ومن النجمة حتى بغداد

دربك مكتنز بالأوراد

وقميصك هذا القطن

سترفعه حتى دجلة كوكبة الأحفاد».

وبقدر فداحة النشيد الهادر مندغما في الجواهري (الرمز) تتساوق فداحة الشعر مفجوعا بمعطيات الواقع...

«...أية أرض هذه يا أبا فرات؟!

لقد فقأوا عيني زرقاء اليمامة، فلم تمنحاهم غير ماء أسود...

هذه الأرض ليست للرؤيا... يا أبا فرات...».

هكذا يمضي سعدي

يحفر في تفاصيل اللغة...

في طقوسها وطموسها في مرتفعاتها ومنحدراتها وفي فجواتها وأخاديدها

يحفر هنا ويردم هناك... ينحت صورة لغوية شعرية تليق بقامة الجواهري النخلية المديدة الشاهقة

تليق بروح الجواهري التي جلت مراياها الأحداث والنوازل والقروح.

صورة تفترع الفراتين شوقا وفرقا وعطشا وحنينا تفترع العراقين النهرين

تفترع الشطين.

تحتضن طين العراق وماء العراق ونخيل العراق وليل العراق وعراك العراق...

صورة تتصاعد صعدا في سماوات من العطاء والنقاء والصفاء الماوراتي الدائم...

«كأن اناملك حيث القلم، عروق الجن

كأن ما تكتبه يندفع صعدا.

كأن المداد نسخ لقفص عظامك.

أول ما رأيت في عينيه، كان البرق في الغابة

هذا الرجل الفاتن مفتونا بأن يبصر ما لا يبصر الناس

اهذا البرق في عينيه ما يخطفني.. حتى أرى

في آخر الغابة أعواد الحريق الشظى والشظايا... النشيد والشعر، المنظوم والمنثور يتجاور يتداخل ينجدل في جديلة طيفية. متعددة الأنغام والألوان - جسدا وروحا شكلا ومضمونا.

«كالنيزك المنقض تستعر

بالنور، أنت النار والحجر أشعلت دجلة إذ اقمت بها

بيت الشراة... فزمزم المطر

يغادر الجواهري ويترك ما لا يطيقه ولا يقدر على حمله الشعراء. يقول السعدي: «لقد تركت لنا ما لا نطيق... ترى، ماذا سنفعل؟! كيف لنا أن نكون...

«غضي لكي نمضي ومنهلنا

ماء الثماد، ورحلنا النّمر نحيا حياة لا يليق بنا

الا السبيلان فيها الطهر والخطر...

وأخيراً لدجلة ان يأسى فرقا لأبي فرات

«يا دجلة الخير... يا نبعا افارقه»

على الكراهة بين الحين والحين?

العدد 94 - الأحد 08 ديسمبر 2002م الموافق 03 شوال 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً