العدد 1210 - الأربعاء 28 ديسمبر 2005م الموافق 27 ذي القعدة 1426هـ

سورية ... وقميص الحريري

رملة عبد الحميد comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

لعب القميص في تاريخنا العربي الإسلامي دوراً كبيراً في مجرى الحياة السياسية، فنبي الله يوسف (ع) ارتبطت براءته بقميصه الذي قدّ من دبر، والإمام علي (ع) ما فتئ معارضوه يلوّحون له بقميص عثمان، واليوم سورية تتعرض للمخاض نفسه، إذ انها المعنية الأولى بقميص الحريري الذي لم يجف دمه إلى الآن، فما عساها فاعلة؟ يقول خبير الآثار الأميركي جورجيو بوتشيلاتي: «عندما نكون في سورية نجدنا نمتزج مع التاريخ ذاته، فكل ذرة من ترابها هي حرف مضيء في سفر الإنسانية الخالد». كان العرب قديماً يطلقون اسم الشام على المنطقة الشمالية من شبه الجزيرة العربية، وهي بحسب ما أورده الجغرافيون العرب الأوائل تشمل سورية الحالية ولبنان وفلسطين والأردن وسيناء وقسم من تركيا. وأصبحت بلاد الشام بعد اتفاق سايكس بيكو (1916م) مقسمة إلى أربع دول: سورية ولبنان، وفلسطين، وشرقي الأردن. بعد انتهاء الحرب الأولى وقعت لبنان وسورية تحت الانتداب الفرنسي، وفي العام ،1920 أعلن الجنرال الفرنسي غورو قيام لبنان الكبير، وتقسيم سورية إلى أربع دويلات، هي: حلب، جبل العلويين، جبل الدروز، دمشق، الأمر الذي أشعل الثورة في طول البلاد وعرضها، لكن الفرنسيين استطاعوا حشر السوريين في زاوية ضيقة عندما تفاوضوا على الاستقلال، إذ اجبروهم على الموافقة على اتحاد الدويلات واستقلالها في إطار دولة سورية، على أن تبقى لبنان دولة لحالها، وصدر قرار الجلاء الفرنسي عن سورية ولبنان في العام ،1946 لكن السوريين بقوا يرددون ان لبنان جزء من سورية الكبرى. وجاءت الحرب الأهلية اللبنانية، بمثابة الفرصة التاريخية التي سمحت للسوريين بالعودة إلى بيروت من جديد، اذ قامت الحكومة السورية بزج قواتها في الأراضي اللبنانية. كان الوضع بحاجة ماسة إلى دخول القوات السورية، وذلك من أجل وقف القتال بين الميليشيات المسلحة اللبنانية، ومساعدة الدولة اللبنانية على استعادة الأمن، وضبط منظمة التحرير الفلسطينية الموجودة على الأراضي اللبنانية. وعلى رغم انتهاء الحرب بقي الوجود السوري مخيماً بثقله السياسي على لبنان، إذ فرض تأثيره على أجهزة الدولة وسياستها الخارجية، وعلى اثره أصبح لبنان في صراع بين أجندة سياسة مصر القابلة للحل والتفاوض، وسورية الرافضة للضغط والتصالح. بعد حرب الخليج الثانية، ظهر الوجود الأميركي بقوة في المنطقة، وأصبح للوجود السوري في لبنان ملف في أدراج مكاتب البيت الأبيض، وخصوصاً بعد انتصار حزب الله المدعوم من سورية على «إسرائيل» في مايو / أيار .2000 وفي المقابل ظهرت دعوات لبنانية تدعو إلى انسحاب القوات السورية والتي قدّر عددها بحوالي 14 ألف جندي، وكان رفيق الحريري الذي ساهم في إعادة اعمار لبنان من بين المطالبين بسحب القوات السورية، وجاء اغتياله في 14 فبراير/شباط الماضي، أي قبل شهرين من الانتخابات البرلمانية التي كان ينظر إليها على انها استفتاء على النفوذ العسكري والسياسي السوري، إذ كان يتوقع فوز كاسح لأنصار الحريري فيها ­ بمثابة الزلزال الذي هز لبنان وسورية معاً، إذ وجهت الاتهامات للأخيرة، التي لم تعرف الراحة منذ ذلك الوقت. وتبعاً لذلك أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1595 القاضي بتشكيل لجنة دولية مستقلة مقرها لبنان لمساعدة السلطات اللبنانية في تحقيقها بشأن اغتيال الحريري، وتم تكليف قاضي التحقيق ديتليف ميليس لرئاسة اللجنة المكونة من فريق من المحققين والتقنيين من 14 دولة، وبدأت اللجنة عملها في 16/6/2005 بتأييد ودعم من الحكومة اللبنانية، حيث باشرت التحقيق مع كل الشخصيات اللبنانية والسورية التي ترى أن لها علاقة بالموضوع. في الحادي والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول أعلن ميليس عن تقريره الذي كشف عن تورط سورية في اغتيال الحريري. كان ذلك اليوم، أصعب يوم تعرفه سورية في علاقاتها بالأمم المتحدة منذ تأسيسها، إذ اعترفت المنظمة بتورط سورية في الاغتيال وعرقلتها لمساعي لجنة التحقيق، ولذلك أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1636 الذي يفرض على سورية التعاون الكامل مع اللجنة الدولية.

صراع قديم

سورية واجهت تحدياً غير مسبوق في تاريخها الحديث، إذ وجدت نفسها أمام قضية بالغة الأهمية تستهدفها في المقام الأول، إذ ان خوفها يكمن في ان تعمل الولايات على نقل القضية في إطار البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يتيح لمجلس الأمن فرض أقصى العقوبات المتمثلة في استخدام القوة، كما جرى على العراق في مطلع التسعينات، فلذلك جاء خطابها بمستوى الحدث، فحشدت جميع إمكاناتها الإعلامية، وعلاقاتها العربية والدولية، وأخرجت التقرير من الجانب القانوني القضائي إلى الأطروحة السياسية، بطرح مفهوم تسييس التحقيق، ولهذا غيب وزير العدل السوري عن هذه الأزمة فبدأ كتمثال أبوالهول صامداً وصامتاً أقل ظهوراً وأقل كلاماً. الحكومة السورية لم تعتبر استجواب المسئولين السوريين يستهدف التحقيق مع أفراد بقدر ما هو استهداف للنظام ومحاصرته، فبدا النظام والمسئولون كلهم جبهة واحدة، إذ استقبلت سورية الرسالة الأميركية جيدا، فلذلك أخرجت جيوشها من لبنان، وأبدت تعاوناً مع لجنة ميليس حتى لا توضع في خانة الخروج على الشرعية الدولية. وكان خطاب الأسد على مدرج جامعة دمشق واضحاً بالتلويح بالمقاومة في حال استهداف نظامه «لا يجوز أن نطمر رؤوسنا في الرمال، ولا يجوز ان نخاف». وفي الوقت ذاته أبدى تعاوناً ايجابياً مع ما تبتغية الولايات المتحدة، فعلى الجانب الفلسطيني صرح الأسد بأنه يقبل ما يقبل به الفلسطينيون، وفي الجانب العراقي سيساهم في ضبط الحدود، لكنه كان متشدداً في المسألة اللبنانية، إذ انه أكد ان سورية بريئة من دم الحريري، ولن يقبل التفاوض بشأن سلاح حزب الله فان ذلك ضرب من الجنون، لأنه ورقته الباقية في المنطقة. الصراع السوري الأميركي صراع قديم بين دولتين مختلفتين في التوجهات وفي الإمكانات، سورية تعتبر حجر عثرة أمام السياسة الأميركية في المنطقة، وهي دولة ممانعة بالنسبة للولايات المتحدة على حسب تعبير السياسيين. وهذا التعنت السوري آن له الأوان ان ينكسر بالنسبة إلى الولايات المتحدة، التي ارتأت ان تملى شروطها على سورية وهي محشورة في زاوية ضيقة لهشاشة نظامها الداخلي. فالأميركيون يحبون التفاوض تحت الضغط، فجاءت لجنة ميليس وتم استدراج سورية للموافقة على استجواب المسئولين السوريين الخمسة من دون مذكرة تفاهم قانونية توضح آلية الاستجواب. ووافقت سورية على هذا المطلب وهي واثقة ان موافقتها ستجرها إلى سياسة التنقيط، لكنها لا تريد أن تترك الفرصة أمام غريمتها لقلب الطاولة، فبدأت بالتشويش على عمل اللجنة عندما عرضت على القنوات الفضائية تراجع الشاهد حسام حسام عن شهادته في لبنان، وعومل كأسير حرب وليس كشاهد من أجل إسقاط ما ادّعاه حسام عن دور اللواء آصف شوكت، لكن هذا التراجع لم يؤثر على سير اللجنة إذ استكملت استجوابها للضباط السوريين في فيينا، وانتهت المهلة وقدم ميليس تقريره الثاني إلى مجلس الأمن في 13 ديسمبر/كانون الأول الجاري، والذي يؤكد تورط سورية في اغتيال الحريري. كما وجه التقرير الذي يتألف من 25 صفحة الاتهام لسورية بعدم تعاونها مع اللجنة وإعاقة التحقيق، كما طالب ميليس، وكما كان متوقعاً، بإعطاء اللجنة مهلة ثانية مدتها ستة أشهر لاستكمال التحقيق.

إلى متى ستقاوم؟

وقبل ان يصدر مجلس الأمن تعليقه على التقرير بادرت سورية إلى التحذير من تبني المجلس قرار العقوبات على سورية لان ذلك سيزعزع العالم على حد قول الرئيس بشار الأسد «الشرق الأوسط في قلب العالم... وسورية الآن في قلب الشرق الأوسط.. وسورية مع العراق إن لم يكن الوضع فيهما جيداً ستضطرب كل المنطقة... والعالم كله سيدفع الثمن». ويبدو ان الأسد أراد من خطابه توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها «ان أمن العراق واستتباب الأوضاع فيه مربوط بسورية» لأن فرض العقوبات عليها سيمهّد بحسب قوله إلى «توسيع الإرهاب، وسيكون هناك المزيد من الفقر وهذا أيضاً يعني زيادة الإرهاب... وبالتالي كل العالم سيدفع الثمن مع سورية ومع الشرق الأوسط». ورأى الأسد ان العقوبات لن تحقق شيئاً، إذ ان الحل الوحيد في نظره هو «العمل السياسي والحوار، لا خيار آخر». الولايات المتحدة لا تريد لتقرير ميليس ان يذهب أكثر من ذلك، ولا تريد أن يفرض مجلس الأمن عقوبات تقوض النظام السوري حتى لا تجعل الساحة السياسية السورية مرتعاً للزرقاويين، وما يؤكد ذلك هو توزيع نسخة من تقرير ميليس الثاني على وسائل الإعلام مغايرة للنسخة التي تسلمها في البداية الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، إذ ان النسخة التي وزعت على وسائل الإعلام كانت معدلة، حذفت منها أسماء من المشتبه فيهم في عملية الاغتيال على رأسهم كما يشاع ماهر الأسد شقيق الرئيس. والهدف من هذا الإجراء كما هو معروف القيام بمزيد من الضغوط على سورية، ليس على مسألة العراق وحزب الله فقط، إنما يمتد لإجبارها على التفاوض بشأن مزارع شبعا التي تحتلها «إسرائيل»، وتدعي كل من لبنان وسورية أحقيّتها فيها. الولايات المتحدة استطاعت تأجيج الصراع السوري اللبناني، الذي تنامي إلى صراع بين الكيانات السياسية اللبنانية بين مؤيد لسورية ومعارض لها، وخصوصاً بعد سلسلة من الاغتيالات التي راح ضحيتها رجال ومفكرو لبنان المناهضون للوجود السوري، والذي دفع بالحكومة اللبنانية أخيراً إلى تبني خيار التقدم بإجراء محكمة دولية في المتورطين اغتيال الحريري بناء على تقرير ميليس. سورية ستنزلق إلى منعطف خطير، فهي أمام جريمة سياسية مدانة فيها من الألف إلى الياء، فهل تمتلك النفس الطويل على البقاء الطويل؟

إقرأ أيضا لـ "رملة عبد الحميد"

العدد 1210 - الأربعاء 28 ديسمبر 2005م الموافق 27 ذي القعدة 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً