العدد 2208 - الأحد 21 سبتمبر 2008م الموافق 20 رمضان 1429هـ

في ذكرى الاستشهاد... علي والإنسانية

رملة عبد الحميد comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

فليغب النجم والبدر، وتبقى يا علي. ذكرى موجعة تظل علينا لتزيدنا ألما وحسرة، قتل في بيت الله وهو ساجد يسبح، كان دائما وأبدا أقوى من الزمن وأكثر امتدادا بعظمته منه.

استطاع أن يحول المعاناة إلى قيم وآمال، وأن يجسد الفكر إلى مبادئ رفيعة ونبيلة، إنه علي رمز العظمة وعنوان الإنسانية، لقد فقدناه وأدركنا حينها أن ينبوع الرحمة والروح جف بفقده من عالمنا الصغير المتهالك، فمن يداوي جرح الفقد ومرارة الصبر؟

يقول المفكر والأديب المسيحي نصري سهلب مستحضرا صورة الإمام علي أمامه: «فتشت في الدنيا عن سر خلودك فلم أجد عند أهل الأرض جوابا، ألعلك من أبناء السماء أم لعل أهل الأرض ما استحقوا أن تكون عليهم أميرا، فسلخك الله من قلوبهم فأدماها، ولاتزال إلى اليوم, تتضور شوقا إليك وحنينا؟!»، ما الذي يجعل الإمام علي (ع) يتجلى بهذه الصورة في نفوس لا تعتقد بعقيدته، إنما استلهمت هذا الإحساس من خلال ما قرأته وتعايشت معه، إنه الإنسان الذي يجبرك على تبجيله وجعله منارا لتقتدي به في إنسانيته، فهو مع الكادحين في إيمانه وصبره، وهو مع المؤمنين في الحق الذي لا تأخذه فيه لومة لائم. الإمام علي مشروع حضاري يرسم للواقع طريق الخلاص ليعيش الإنسان فيه بسلام وكرامة ومحبة، إذ لم يحظَ رجل في الإسلام بعد الرسول (ص) بما حظي به عليّ بن أبي طالب (ع) من ثناء وإجلال من لدن الرسالة الإسلامية، وحثّها المتزايد لأتباعه ليس من منطلق تقديره فحسب، وإنّما على التزامه وانتهاجه لسبيل الحق. فقرن بالولاية لقوله تعالى: «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمون الصَّلاَةَ وَيُؤتونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون». (المائدة: 55) إذ كان سبب نزولها حين تصدّق عليّ (ع) على مسكين بخاتمه أثناء ركوعه في الصلاة، كان الحق ديدنه الذي عرف به إذ يقول رسولنا الكريم فيه (ص): «عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».

لم يكن عليا إلا إنسانا عاليا في فهمه وسلوكه، عارفا بالذات الإنسانية محافظا على كرامتها فيشير ابن كثير الدمشقي المتوفّى سنة 774 هـ، في كتابه «البداية والنهاية» ج 8/10: «عن الاصبغ بن نباتة، عن علي أنّه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنَّ لي إليك حاجة، فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدتُ الله وشكرتُك، وإن أنت لم تقضها حمدتُ الله وعذرتك، فقال عليُّ: اكتب حاجتك على الأرض، فإنّي أكره أن أرى ذلَّ السؤال في وجهك، فكتب: أني محتاج، فقال عليُّ: عليَّ بحلّة، فأتي بها، فأخذها الرجل فلبسها»، وكان اهتمامه بالأيتام والفقراء مدعاة لأن يقول بعض أصحابه: «لوددت أنّى كنت يتيما». قد انصبَّ منهاج حكومته على مواجهة المشاكل ففي الميدان السياسي، قد حدّد الإمام عليّ (ع) مواصفات ولاة الأمر وموظّفي الدولة، الّذين يرشِّحهم الإسلام لإدارة شئون الأمة الإسلامية، ببيان أصدره (ع) جاء فيه: «إنّه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين: البخيل، فتكون في أموالهم نهمته. ولا الجاهل فيضلّهم بجهله. ولا الجافي فيقطعهم بجفائه. ولا الحائف للدول فيتّخذ قوما دون قوم. ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع. ولا المُعطِّل للسنّة فيهلك الأمة». كان عليه السلام يبسط الحب والعطف بين الجميع وهذا يتضح جليا في وصيته لمالك الاشتر عندما ولاه مصر: «واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم والألفة لديهم» فهو يمنع التعدي والقسوة وإشاعة الرعب بالعنف والتنكيل وبتضييق سبل العيش «ولا تكن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم». لقد أنصف علي المظلومين دون تحديد، فها هو يجعل عون المظلوم وصية لولديه الحسن والحسين (عليهما السلام): «كونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا». كان همه أن تكوين أمة لا ظلم ولا تمايز ولا تباغض فيها، تكون ملاذا للجميع دون استثناء لذا كانت آخر ما وصى به أمته وهو على فراش «وعليكم بالتواصل والتبادل، وإياكم والتدابر والتقاطع، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولّى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يُستجاب لكم»

إقرأ أيضا لـ "رملة عبد الحميد"

العدد 2208 - الأحد 21 سبتمبر 2008م الموافق 20 رمضان 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً