العدد 2878 - الجمعة 23 يوليو 2010م الموافق 10 شعبان 1431هـ

اختلاط الأوراق اللبنانية

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

هدنة الطوائف الهشة في لبنان بدأت تتعرض لعواصف ساخنة وباردة إقليمية بعد تصاعد لهجة التهديدات الإسرائيلية في ضوء الكلام عن استعدادات عسكرية بتسديد ضربة للبنى التحتية والمقاومة.

العواصف الناعمة أثارت مخاوف الطوائف اللبنانية وتلك التشكيلات السياسية التي تأسست في بلاد الأرز قبل خمس سنوات. فالانقسام الذي استقطب القوى وشطرها إلى منظومتين أهليتين طرأت عليه متغيرات أدت إلى إعادة تموضع رموز 8 و14 آذار في مواقع تؤشر إلى اختلاف الرؤى وبداية اختلاط أوراق التحالفات. ميشال عون مثلاً بدأ يعيد تنظيم صفوفه ويتخذ خطوات انسحابية باتجاه التصالح مع الشارع المسيحي بعد أن اعترض على إعطاء الحقوق الإنسانية والاجتماعية للفلسطينيين بذريعة الخوف من التوطين والكلفة المالية التي يمكن أن تترتب عنها ما يكبد خزانة الدولة من أموال ترفع من عجزها السنوي. وليد جنبلاط أيضاً أخذ ينسحب رويداً من موقع الوسط بين 8 و14 آذار باتجاه المزيد من الابتعاد عن 14 والانحياز المدروس لمجموعة 8 آذار.

الاختلاط في الأوراق المحلية لا يمكن قراءة دوافعه واختصارها في العوامل اللبنانية باعتبار أن ساحة بلاد الأرز تتأثر دائماً بالمتغيرات الجوارية والإقليمية والدولية وتشكل تلك المرآة التي تعكس خريطة التحالفات المحيطة به.

لاشك في أن هناك عوامل لبنانية تلعب دورها الخاص في ترسيم لعبة الطوائف إلا أن الأسباب المحيطة بالساحة تساهم أيضاً في تشكيل منظومة العلاقات وتفريعها إلى مراكز قوى تتنافس محلياً على فتح خطوط الإمداد والمعابر مع دول الجوار. وإعادة التموضع السياسي لقوى 8 و14 آذار لا يمكن فصله عن المحيط أو عزله عن التأثيرات الساخنة أو الباردة الآتية من الأقاليم القريبة والبعيدة.

قوى 8 آذار مثلاً تبدو خائفة من التقارب المتسارع الخطوات بين دمشق وقوى 14 آذار الأمر الذي أثار غضب بعض أطيافها لحسابات شديدة التعقيد تبدأ بالمداخل والمخارج اللوجستية وتنتهي بالقرار الظني المتوقع صدوره بعد أشهر عن المحكمة الدولية بشأن جريمة اغتيال رفيق الحريري.

قوى 14 آذار متخوفة أيضاً من إمكانات تحول التقاطع الإيراني – الأميركي في العراق وتقدمه من هامش اللقاءات «الفنية» و«التقنية» إلى متن عقد صفقة سياسية بين واشنطن وطهران تقلب طاولة الاستقطابات الطائفية في بلاد الرافدين ما سيكون لها انعكاساتها السياسية على هدنة الطوائف الهشة في لبنان.

هذه الاحتمالات يمكن رصد متغيراتها من خلال مراقبة الصور المتحركة في مرآة بلاد الأرز. فالمخاوف المعطوفة على بدء تغير التحالفات واختلاط أوراق 8 بـ 14 آذار كلها مؤشرات مبكرة تدل على وجود هواجس تثير قلق الطوائف وتقض مضاجع الرموز التي أسست سياستها على ثوابت وجاءت التطورات لترسم صورة معاكسة تخالف المشهد اللبناني الذي استقرت عليه الساحة قبل خمس سنوات.

بعض قوى 8 آذار متخوف من أن يكون ضحية صفقة إقليمية يضعها على هامش صورة تعيد ترتيب علاقات هرمية تأخذ في الاعتبار موقع الدولة كإطار ناظم لقنوات الاتصال بين دمشق وبيروت. وبعض قوى 14 آذار متردد في اتخاذ خطوات حاسمة بانتظار ما ستسفر عنه التوازنات في بلاد الرافدين بعد أن تنهي قوات الاحتلال الأميركية تموضعها العسكري الجزئي في مطلع سبتمبر/ أيلول المقبل. فالانسحاب قد يؤدي إلى تدحرج الأزمة العراقية بفعل تلك الفراغات التي يتوقع أن تنجم بعد كل خطوة تراجعية تأخذها واشنطن في ظل حكومة تابعة وفاسدة تبحث عن بدائل للتغطية والاستقواء.

هذا الامتداد الإقليمي للأزمات العابرة للحدود توضح إلى حد معين الأسباب التي دفعت بعض رموز 8 و14 آذار إلى إعادة التموضع السياسي الداخلي بحثاً عن ضمانات تشكل شبكة حماية لمواقعها التقليدية ومجالها الطائفي. جنبلاط مثلاً بدأ بمد خيوط الاتصال وردم الهوة التي عزلته عن محيط سياسي بسبب سلسلة الاغتيالات والتفجيرات التي عصفت بالبلاد بعد صدور القرار 1559. كذلك بدأ الجنرال عون بفتح أبواب اللقاءات مع حزب الكتائب لتنسيق المواقف بشأن صد مشروع قانون يراد طرحه في أغسطس/ آب في المجلس النيابي يطمح إلى إعطاء الفلسطيني حقوقه البسيطة والمتواضعة في لبنان.

في المقابل تبدو القوات اللبنانية مستعدة لإعادة قراءة ملف العلاقات مع دمشق لمواجهة ارتدادات إقليمية محتملة يمكن أن تعصف رياحها بالتوازن المحلي الذي استقر على صيغه تسووية حين اتفق على تشكيل حكومة اتحادية تجمع الطوائف في إطار وزاري أشبه بالمزيج الكيماوي الائتلافي بين التكتلات. فالعواصف التي يمكن أن تتشكل في بغداد لا يمكن لها أن تضرب الساحة اللبنانية إذا لم تتوافر تلك المداخل الجوارية التي تمنع أو تسهل عبورها للحدود العازلة بين العراق ولبنان.

هناك إذاً حسابات إقليمية فرضت شروطها السياسية والجغرافية على قوى 8 و14 آذار ما أدى إلى خلط الأوراق وبعثرتها مجدداً على طاولة بلاد الأرز. فالتقارب بين دمشق وبعض رموز 14 آذار يشي من بعيد بنمو اختلافات إقليمية بشأن التعامل مع ملفات المنطقة في مرحلة يبدو فيها المسار الفلسطيني يتجه نحو حائط مسدود مقابل احتمال انفتاح المسار العراقي على موجة جديدة من العنف الأهلي.

هذا التحول الإقليمي المتوقع أن تتبلور خطوطه ميدانياً في سبتمبر المقبل لا يمكن عزل تأثيراته الباردة والساخنة على ساحة الأرز التي تنتظر أيضاً صدور القرار الظني الدولي وما ينجم عنه من انفعالات وتجاذبات أهلية تزعزع هدنة الطوائف الهشة.

اختلاط أوراق التحالفات اللبنانية لا يمكن التعامل مع منظومته المحلية بعيداً عن الفضاءات الإقليمية وما تنتجه من محاور ممتدة عابرة للحدود. فالاختلاط ليس عفوياً ولم يتشكل من دون حسابات أخذت تقرأ الاحتمالات قبل حصولها. القوى بدأت تستعد وهي باشرت بإجراء اتصالات واتخاذ خطوات استباقية لتكون جاهزة نفسياً لتلقي الضربات واحتواء ارتداداتها من الداخل والمحيط.

حتى الآن تبدو العواصف ناعمة وهي تتمظهر في خطب ورسائل وتصريحات مهذبة ومدروسة تمهيداً لاستقبال ما هو الأصعب والأعنف سواء جاءت الهبة من القريب أو البعيد.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2878 - الجمعة 23 يوليو 2010م الموافق 10 شعبان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 8:18 ص

      عصفت ما عصفت الحقيقة هي ..

      14 آذار معروفين بأنهم عملاء للسعودية وأمريكا ولا يستطيعون عمل أي شيء للبنان دون الرجوع لهم.
      ولذلك فإن من حق 8 آذار أن يتخوفوا مهم فهم أهل غدر ونفاق يبحثون عن مصالحهم قبل مصلحة الوطن.
      وكما يقول المثل (يقتلون القتيل ويمشون في جنازته)
      المقصود هنا هي الاغتيالات التي عانى منها لبنان وكان القصد منها مكاسب سياسية لـ 14 آذار حتى وإن كان القتيل ينتمي لهم ولكنهم ينفذون أوامر خارجية.

    • زائر 1 | 6:47 ص

      سوريا

      كانت متهمة مدانة بجريمة الحريري واليوم هي الصديق الصدوق, دارت التهمة نحو الداخل بسبب فشل المسار الأول, هذا هو عهد من لا عهد له, كان يجب أن يطول نهار 7 آيار .

اقرأ ايضاً