العدد 2900 - السبت 14 أغسطس 2010م الموافق 04 رمضان 1431هـ

قراءات في مسألة «الانسحاب» الأميركي

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

تثير مسألة «الانسحاب» الأميركي من المسرح العراقي أسئلة خفية بشأن دوافع الخطوة ورمزيتها. فهل الانسحاب يعني الاعتراف بالفشل السياسي وبداية مراجعة نقدية للاستراتيجية الأميركية في «الشرق الأوسط» والعالم؟ وهل يعني الانسحاب خطوة مفصلية للغياب الكلي عن خريطة منطقة حساسة وغنية وواعدة؟

الانسحاب له قراءات مختلفة ويرسل إشارات متعارضة. فهو يعني الانكفاء أو التراجع وربما يعني إعادة قراءة للحسابات والبدء في سياسة تنظيم الصفوف تمهيداً لهجوم آخر.

حتى الآن تبدو استراتيجية باراك أوباما غامضة. فهو اتخذ قرار الانسحاب من العراق خلال معركة التنافس على الرئاسة. كذلك وعد الجمهور الناخب (دافع الضرائب) بتركيز الجهد العسكري في الميدان الأفغاني بذريعة أنه يشكل بؤرة الإرهاب. وبعد نجاح المهمة يبدأ الانسحاب من أفغانستان.

الانسحاب إذاً هو المشروع البديل. ويبقى السؤال: إلى أين ستصل خطوات الانسحاب ومداها وتوقيتها. فهل ستقتصر الخطوات على الملفين العراقي والأفغاني أم أنها ستكون واسعة تشمل كل نقاط الاحتكاك من بحر العرب والخليج العربي إلى شط العرب؟

هذا على مستوى الشكل. أما على مستوى المضمون. هل الانسحاب الجزئي يساوي هزيمة عامة أم هو مجرد خطوة تراجعية لإعادة تنظيم الصفوف؟ وهل الانسحاب يعادل التراجع أم هو قراءة تريد مراجعة أخطاء في الاستراتيجية تمهيداً لتصحيحها؟

أسئلة وأسئلة ولكن الأجوبة تبقى عرضة للقراءات السياسية والعسكرية والاقتصادية. هناك من يرى في الانسحابات الجزئية هزيمة سياسية يصعب على الإدارة الأميركية الحالية استيعابها بسرعة واحتواء تداعياتها من دون تقديم تنازلات لقوى إقليمية صاعدة تطمح بلعب دور يتناسب مع موقعها وقوتها الميدانية. وهناك من يرى فيها مراجعة للاستراتيجية وليست خطوة تراجعية ولذلك يتوقع أن تبدأ واشنطن بإعادة الاعتبار للحلفاء أو الوكلاء وتعويم نشاطهم الإقليمي بعد غياب مؤقت عن مسرح «الشرق الأوسط» على أثر أزمة الكويت وحرب الخليج الثانية في 1990-1991. وهناك من يرى أن أميركا تعاني من مشكلة بنيوية في مجالها العسكري لا من حيث قوتها الضاربة (طائرات، صواريخ، أساطيل، تقنيات، أسلحة دمار شامل) وإنما من حيث قوتها البشرية وقدرتها على خوض معارك على الأرض وتحمل الخسائر في صفوف جنودها. وهناك من يقرأ المسألة اقتصادياً ويلاحظ نمو العجز النقدي الأميركي وضعفه المتصاعد في تمويل الحروب وتغطية النفقات العسكرية التي استنزفت الخزينة وأوقعتها في ديون أخذت تتراكم من دون كوابح.

الأجوبة ليست بسيطة. وهناك شبه فراغ في الرد المقنع على أسئلة الانسحاب. سياسياً تبدو الإدارة الأميركية الحالية حائرة وضائعة في التعامل مع ملفات مفتوحة على أزمات ممتدة من أفغانستان إلى فلسطين. وبسبب هذا القلق السياسي الدائم تجد إدارة أوباما مشكلة في حسم خياراتها النهائية والمفاضلة بين الدفاع أو الهجوم أو الانكفاء لمعالجة أزمات الداخل.

كل خيار له عواقبه. الدفاع يتطلب موازنات قادرة على تغطية النفقات المتصاعدة سنة بعد أخرى. والهجوم يتطلب قوة بشرية أميركية تمتلك الاستعداد السيكولوجي للتضحية دفاعاً عن نموذج تعتبر واشنطن أنه يستحق الحياة والترويج له في العالم العربي. والانكفاء إلى الداخل (العزلة الدولية) يتطلب أيضاً عدم التفريط بالحلفاء والأصدقاء والمصالح في منطقة جغرافية - استراتيجية تعتبر حيوية ونقطة فاصلة في ترجيح موازين القوى في دائرة أوراسيا (أوروبا - آسيا).

الاختيارات ليست سهلة وهي في مجموعها العام تشكل نكسة للسياسة الأميركية في المنطقة العربية (الشرق الأوسط) لأن نهاية المحصلة المشتركة لكل خطوات واشنطن منذ اتخذت قرار الهجوم والانتشار وتحمل المسئولية مباشرة ومن دون اعتماد على الوكلاء أخذت تتجه نحو الفشل الجزئي. فالولايات المتحدة الآن أضعف استراتيجياً مما كان عليه وضعها حين قررت إرسال جيوشها إلى المنطقة في أغسطس/ آب 1990. وبات الآن على إدارة واشنطن إعادة مراجعة الحسابات للمفاضلة بين الاحتمالات واتخاذ قرار حاسم بشأن وجودها العسكري في منطقة مضطربة ومفتوحة على فوضى دائمة بسبب أخطاء ارتكبتها نتيجة اعتمادها على معلومات كاذبة وتسرعها في استنتاج حلول نظرية لا تنسجم أو تتكيف مع أوضاع مخالفة لنموذجها.

حتى أصدقاء أميركا في العراق وأفغانستان أخذوا يتنصلون من واشنطن ويبحثون عن حلفاء إقليميين لتعويض الفراغ الذي سينجم بعد الانسحابات المقررة في السنوات الثلاث المقبلة. والفضيحة السياسية التي تواجهها الإدارة حالياً تتمثل في الوقت الراهن في معادلة سلبية تقوم على قاعدتين: الأولى أنها لم تكسب الأنصار في حروبها. والثانية أنها أخذت تخسر العملاء الذين تعاونوا معها ونسقوا مع أجهزتها وزحفوا على ظهر الدبابات للاستيلاء على كابول وبغداد. حتى العملاء بدأت واشنطن بخسارتهم بعد أن تكبدت من أجل راحتهم وسعادتهم آلاف الضحايا وأنفقت مليارات الدولارات وأفلست الخزينة لإقامة حكومات فاشلة وفاسدة ومتلونة في علاقاتها وطموحاتها وأطماعها.

مسألة الانسحاب من العراق وثم أفغانستان تثير فعلاً أسئلة تتجاوز حدود الكسب والخسارة وهل ستكون جزئية أو كلية، مؤقتة أو دائمة، تكتيكية أو استراتيجية، تراجع أو تنظيم صفوف. المسألة كبيرة حتى لو تعاطت معها إدارة أوباما باستخفاف ومن دون تقدير لتداعياتها الرمزية. وخطورة الموضوع أن الأزمة تبدأ في واشنطن وعدم قدرة دولة كبرى على الدفاع عن مصالحها لا بسبب اعتمادها على أصدقاء أحبطوها في كابول وبغداد وإنما بسبب ضعفها البنيوي (البشري) وعدم استعداد أميركا للتضحية دفاعاً عن نموذجها. وحين تصل دولة كبرى إلى هذا المستوى من العجز البنيوي تكون كما قال صاحب المقدمة ابن خلدون بدأت بالدخول في طور «الدعة» أي في مرحلة الغياب عن المشهد

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2900 - السبت 14 أغسطس 2010م الموافق 04 رمضان 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 2:28 ص

      عبد علي عباس البصري

      واستراتيجيه البقاء في مستنقع افغانستان لا تجدي سوى الكثير من القتلى والجرحى والاحباطات العسكريه والنفسيه لدى الجنود الامريكان فهذه المعركه ليس فيها خاسر ولا رابح ولا نهايه سوى الانسحاب من افغانستان ، او البقاء والاول مر كما هو الاخر . فالجنود الامريكان كما بينت اخي انويهض بين فكي القتل المستمر لجنود الحلفاء الاحباط النفسي وبين الازمات الاقتصاديه العالميه . انسحاب يعني اعاده تموضع الايرانيين البقاء يعني الخساره وهي المحصله النهائيه .

    • زائر 1 | 2:17 ص

      عبد علي عباس البصري

      الانسحابات من العراق وافغانستان ليست مزاجيه ، وانما هي محصله مشاكل اقتصاديه و استراجيه ، فهي تنفق ما يقارب المليارات الدولارات شهرياعلى التواجد في افغانستان ، والولايات المتحده ليست كما كانت من قبل فهي تعاني من انهيارات اقتصاديه متتاليه قادت الى انهيار اقتصادي لكثير من الدول العاليميه كما هو معروف فهي غير قادره على المضي في البقاء في العراق وافغانستان ، وانفاق هذه الدولارات بدون اي تعويض ؟ يذكر سوى من النفط العراقي؟؟

اقرأ ايضاً