العدد 687 - الجمعة 23 يوليو 2004م الموافق 05 جمادى الآخرة 1425هـ

هل يروقكم هذا التفسير؟

محمد فاضل العبيدلي

مستشار في مركز دبي لبحوث السياسات العامة

لماذا تتصاعد المناشدات دوما لتدخل جلالة الملك؟... آخر ما قرأت وتابعت مثل غيري كان قبل اسابيع: عدا التفاصيل المكتوبة، صورة منشورة في الصحف لبعض الاهالي المحتجين وهم يقفون امام يافطة مكتوب عليها: «نناشد جلالة الملك بالتدخل». وسواء تعلق الامر بالمعارضة السياسية والشد والجذب بينها وبين الحكومة، ام بخلاف داخل مؤسسة اهلية او ادارة حكومية او خلاف على ادارة مسجد او طريقة التعاطي مع قرار حكومي وصولا الى خدمة حياتية للجمهور، لا ملاذ سوى مناشدة جلالته بالتدخل.

يفوق الامر التصور احيانا، يشكو الاهالي احيانا من بطء تعاطي الجهات الرسمية مع مشكلاتهم، مياه، كهرباء، مشكلة طارئة بمركز صحي وحتى خلاف مع ادارة حكومية على أي شأن صغير أم كبير. وعلى مدى أكثر من عامين، أصبحت المناشدة عبارة يومية في الصحف والمنتديات والمداخلات في البرامج الحوارية في الاذاعة والتلفزيون ومن المؤكد أن لديكم قصصا اكثر مما لدي.

«يختلف الأبناء فيناشدون الآباء بالتدخل». هل يروقكم هذا التفسير؟ يروق لي في معانيه الرمزية باعتبار جلالته أبا للجميع، فالشعوب تحتاج إلى الآباء على نحوٍ ما سواءٌ أكانوا ملوكا أم رؤساء أم زعماء ملهمين أم روادا، وان لم يكونوا موجودين صنعتهم. حتى الأميركيين يتحدثون عن جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وقادة الثورة الاميركية باعتبارهم «الآباء المؤسسين».

لكن أليس لهذا التفسير أو حتى المناشدات المستمرة بعد عملي آخر؟ فالسياسة لا تحكمها المعاني والابعاد الرمزية فقط في علاقة حاكم بشعبه. ثمة بعد عملي أيضا ثبت بالتجربة وهو ان تدخل جلالته في مناسبات عدة اثبت معنى الضرورة العملية؛ فالتدخل كان يمثل نوعا من صمام الأمان. انعشوا ذاكرتكم قليلا وتذكروا المرات والمناسبات التي تدخّل فيها الملك ستجدون ما هو اكثر من البعد الرمزي. من قصة «الانشغال والاشتغال» مرورا بإزالة العقبات القانونية امام قيام اتحاد العمال وطريقة التعاطي مع حوادث دفعتنا للقلق مثل حادثة سيارة الشرطة في سترة ومن قبلها حوادث شارع المعارض، وأخيرا «مسيرة الجمعة» في مايو/ أيار الماضي.

لماذا تكثر مناشدة الناس للملك بالتدخل؟ هل اعتدنا ذلك من مبادرات جلالته: كفالة الأرامل والايتام، مكرمة العاطلين، تخصيص دخل المجمعات للأسر المحتاجة، التدخل في لحظات حرجة بين المعارضة والحكومة، علاج حالات مرضية صعبة، جبر خاطر مواطن تعرض لسوء معاملة؟ ألا يمكن ان يكون ذلك كله برامج حكومية تبتكرها إدارات حكومية ضمن برنامج عمل الحكومة أو عنصرا ثابتا في أسلوب تعاملها مع مواطنيها؟

حديثا، نشرت الصحف ان المسئولين بوزارة الكهرباء «يعتذرون» للمواطنين عما تسببت به انقطاعات الكهرباء. هذا جديد وغير مسبوق و«الأول من نوعه» مثلما تطالعنا عناوين الصحف دوما، لكن المؤسف انه نسب الى مصدر مسئول في الوزارة ولم يأتِ صراحة على لسان مسئول له اسم ومنصب.

هل أدركتم المدلول والمعنى في ان تعتذر وزارة للناس؟ وهل ادركتم المعنى في ان يأتي هذا الاعتذار على صيغة المبني للمجهول؟ انها المراوحة بين تقاليد الأمس وقصتنا مع جهاز اداري لم يعتد المحاسبة ولا الاعتذار عن خطأ ولا الاصغاء، وبين تقاليد المستقبل الذي نريد: ان يعتذر المخطئ لكي نقدره ونحترم امانته وصدقه. مع ذلك لابد ان احييهم على نصف الاعتذار هذا.

لم نتعود نحن ان تعتذر ادارة حكومية او وزارة مهما كان خطأها، وهذا الجهاز الاداري لم يكن يصغي من قبل ولم يفعل في السنوات الثلاث الماضية سوى ان يدفع الناس للصراخ والنزول الى الشوارع؛ اعتصامات على كل شيء، حديثا اعتصم الناس احتجاجا على انقطاع الكهرباء. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية اعتصم الناس احتجاجا على كل انواع المشكلات. والجهاز لم يعد يسمع الا عندما يعتصم الناس ويصرخون. والبعض قد يفرح كثيرا لحرية التعبير هذه التي تحظى بحراسة الشرطة وهي علامة على تحضرنا، لكنها مؤشر مقلق. لأن الصراخ والنزول للشارع هو آخر وسائل الاقناع بل ان معناه الأهم هو ان الحوار معدوم وثمة من لا يصغي وهو وسيلة احتجاج والأحرى بنا ان نتساءل: لماذا يحتج الناس ويناشدون جلالة الملك دوما بالتدخل؟

إقرأ أيضا لـ "محمد فاضل العبيدلي"

العدد 687 - الجمعة 23 يوليو 2004م الموافق 05 جمادى الآخرة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً