العدد 2156 - الخميس 31 يوليو 2008م الموافق 27 رجب 1429هـ

ضعف الأحزاب العلمانية وعجزها عن احتواء الأكثرية

الإسلام والغرب... والفكر المعاصر (5)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

إذا أردنا التقاط أزمة الفكر والنهج، فلن نجد صعوبة كبيرة في معرفة أصول هذه المفاهيم، من خلال تتبعنا لسلسلة حلقات الفكر «اليساري» و «العلماني» السائد الآن وسط النخب المثقفة. وسنجد أن الأصول الأولية لهذا الفكر والنهج تنتمي إلى تيارات سياسية، انتشرت وازدهرت في الأقليات الدينية والطائفية والعرقية وفي مرحلة غلبة الغرب وتشطيره للمنطقة. ويمكن تحديد أبرز السمات العامة لهذه التيارات السياسية الحديثة، بالنقاط الآتية:

أولا: غلبة العقل الغربي على هذه الفئات، وجنوحها نحو تقليده بغض النظر عن طبيعة البلاد والظروف التاريخية التي تمر بها.

ثانيا: غلبة منطق التجزئة على الوحدة، وتفضيل البرامج السياسية المفصلة على قياسات الأقطار من دون النظر إلى أهمية تركيز النضال على القضايا الجامعة التي تمثل مصالح الأكثرية الساحقة من الناس.

ثالثا: طغيان الموجات الأقلاوية على التيارات الحديثة، إلى حد حصول نوع من التماثل والالتباس بين واقع ومصالح الأقليات والفكر الذي تحمله أو تناضل من أجله.

من خلال هذه السمات نلمس أن جذور الفكر «العلماني» و «اليساري» في بلادنا ليست نتاج مرحلة غلبة الغرب على البلدان الإسلامية والعالم الثالث فقط، بل هي أحد إفرازات هيمنة الغرب أيضا. فالفكر «العلماني» و «اليساري»، جاء في سياق صعود موجة التغريب والتهميش، وفي الوقت نفسه كان ابن التجزئة، وابن الانعزال في وسط الأقليات الدينية والطائفية والإثنية. لذلك ليس غريباَ أن نلمس هذا الحنين الدائم نحو التمثل والتماثل بالغرب على رغم العداء اللفظي له. وليس غريبا أن يتجه هذا الفكر دائما نحو اللحاق بمطالب الأقليات وتبني قضاياها والدفاع عنها وتقديمها بوصفها برامج تحرر وطنية ضد طغيان الأكثرية التاريخية والبشرية في المنطقة.

كل هذه المواصفات نراها مدرجة في جدول أعمال برامج الأحزاب «اليسارية» و «العلمانية» ونرى أنها تشكل جوهر مجمل ما يسمى بالفكر «التقدمي» في بلادنا. كما أن مجمل تركيبات الأحزاب والمنظمات السياسية وبنيتها البشرية مكونة أساسا من تجمعات أقلاوية ونخب مثقفة منتقاة من هذا الجانب أو ذاك.

لذلك كانت الأكثرية ولاتزال تخاف وتتخوف من دور ووظيفة مثل هذه الأحزاب والمنظمات إلى درجة أنها تشك في صدقيتها وإخلاصها، وينتابها نوع من الشعور بالريبة والحذر، لكونها قد تكون قفازات خارجية مزينة بشعارات خداعة لتمرير بعض القضايا لصالح الغرب وهيمنة الأجنبي.

ومصدر خوف الأكثرية يعود في الأساس لا إلى تكوين هذه الأحزاب والمنظمات فقط، بل إلى كون برامج وطروحات هذه الفئات لم تشر قط إلى حقوقها ومصالحها أيضا. فالأكثرية تجد في برامج وطروحات المنظمات والأحزاب شعارات وجداول أعمال تطالب بتقديم التنازلات والضمانات والحقوق للأقليات، في الوقت الذي لاتزال فيه الأكثرية (الإسلامية) نفسها تناضل من أجل كسب حقوقها من الغرب، وانتزاع ضمانات مستقبلها وحاضرها من الأجنبي. لهذا السبب لم تجد الأكثرية في برامج وطروحات الأحزاب والمنظمات الحداثية الجسر أو الوسيلة العملية التي تساعد على نقل الأقلية إلى مواقع الأكثرية من خلال تشجيعها على الانخراط والاشتراك معها جنبا إلى جنب في مجابهات سياسية واحدة ضد النفوذ الأجنبي ونماذج الغرب.

بدلا من أن تقوم الأحزاب والمنظمات المتغربة بفتح الثقوب والشقوق في جدران الأقليات لإتاحة الفرصة لها للتعرف على حقيقة الأكثرية ومصالحتها، قامت بسد المنافذ وشكلت في حالات كثيرة الوجه الصدامي السياسي، وبعض الأحيان المسلح، في وجه الأكثرية. وهكذا بدل أن تتحصن الأكثرية بالأحزاب والمنظمات لاختراق الحواجز، التي ساهم الغرب في صوغها لعزل الأقليات، تحولت هذه الفئات السياسية الحديثة إلى قلاع تتحصن في داخلها الأقليات لشن الهجمات على الأكثرية التي تتألف منها المنطقة الإسلامية. وهنا تحديدا نكتشف «سر» انحراف الأحزاب والمنظمات المتغربة، وتحولها إلى عقبات في وجه التحولات التاريخية والشعبية العفوية.

يبدأ هذا الانحراف من نقطة عدم تحديد العدو الرئيسي أو الخصم الفعلي للبلدان الإسلامية، إذ نرى أن التيارات السياسية الحديثة لا تنظم الجهد المكثف والواسع لمجابهة نماذج الغرب والنفوذ الأجنبي في محاولة لانتزاع المطالب والحقوق منه، بل نرى أنها تشتت الجهد باتجاه مطالبة الأكثرية (الإسلامية) بتقديم مثل هذه المطالب والحقوق للأقلية. وبدلا من أن تكون المشكلة مع الأجنبي، تصبح مع الأكثرية التي لاتزال بدورها تناضل من أجل خلع نفوذ الغرب من البلدان الإسلامية.

هذا الانحراف الأصلي لايزال يسحب نفسه حتى المرحلة الراهنة، ومن الصعب تصويبه إلا بعد الإقرار والاعتراف بنقطتين أساسيتين وهما: لا قضية خاصة للأقليات مستقلة كل الاستقلال عن قضية الأكثرية، ولا حريات وحقوق ومطالب خارج حقوق ومطالب وحرية الأكثرية.

نعود إلى الأسئلة: لماذا الغرب يجد في الإسلام عدوه الرئيسي ولماذا الأحزاب المعاصرة أقرب إلى الغرب منها إلى الإسلام؟ ولماذا تنظر الكتل الشعبية (الأكثرية) إلى الدولة الحديثة نظرة عداء؟

قبل الإجابة، ربما كان السؤال الحقيقي هو لماذا تشهد بلدان إسلامية عدة، حركات استقطاب سياسية تتكون من مجموعة قوى اجتماعية تشدها إلى بعضها بعضا رابطة الدين؟ ولماذا هذه الظاهرة نمت في العقود الأخيرة وتحولت في بعض البلدان إلى اتجاهات بدأت تتشكل في تيارات سياسية تجذب الكثير من الفئات الاجتماعية ضمن إطار العداء للغرب والصهيونية والنخب الحديثة؟

تطرح هذه الاستقطابات السياسية - الدينية أسئلة مشابهة بوجه الذين راهنوا على إمكان قيام حركات رفض ثورية تقوم على فرز طبقي - اقتصادي صافٍ. وجاءت مراهنة هؤلاء البعض بعد أن اعتقدوا أن التأثيرات الدينية والتقليدية غابت في ذاكرة التاريخ ولن تقوم لها قائمة في عصر الرأسمالية العالمية وانتشار موجة العولمة.

لكن الحوادث التي تشهدها مختلف البلدان الإسلامية والعربية أكدت أن التأثيرات الدينية والعصبيات الطائفية والقبلية والعشائرية (أفغانستان، اليمن، العراق، السودان، الصومال، ولبنان) لاتزال تفعل فعلها في مواجهة العصبيات الحديثة التي تكونت ونمت في ظل الامتداد الرأسمالي والهيمنة الغربية. لا بل إن الحوادث التي انفجرت دفعة واحدة وفي بلدان إسلامية عدة أكدت مجددا، ليس فقط، أن التغلغل الرأسمالي الغربي لم يستطع تدمير العلاقات السابقة كلية بل إنه فشل في إعادة هيكلة البلدان العربية والإسلامية في إطار سلطات سياسية عصرية وحديثة.

الدليل على هذا الواقع هو أن البلدان التي شهدت محاولات تنمية وتحديث على الطريقة الأوروبية هي أكثر البلدان، التي شهدت وتشهد الآن، حركات رفض سياسية تستمد زخمها وقوتها من رابطة الدين ومجموع الروابط التقليدية السابقة على التغلغل والسيطرة الرأسماليتين. كما أن هذه البلدان، التي قامت فيها محاولات تحديث قسرية رأسمالية بغية تطويعها وإخضاعها لدوائر النفوذ الغربي، قد تولدت من داخلها حركات استقطاب سياسية تتكتل ضمن قوانينها الخاصة لرفض كل محاولات الإلحاق والتبعية لمنطق التطور العصري الأوروبي.

إلى ذلك، ان مختلف الاتجاهات التحديثية والعلمانية تحولت بفضل التغلغل الرأسمالي إلى حركات سياسية انفصالية وأقلاوية تدفع بالبلدان الإسلامية والعربية إلى المزيد من التفكك والتجزئة والتفتيت. لذلك فالتحول، الذي تشهده الآن هذه البلدان يسير في اتجاه معاكس لكل تلك المحاولات القسرية والعمليات «القيصرية» الغربية.

نمو ظاهرة الرفض الإسلامية في عصر العولمة وتشكلها في تيارات سياسية جماهيرية وكتل شعبية متماسكة، لا تدل على فشل التجربة الغربية في السيطرة فقط، بل تؤكد فشل كل المحاولات، التي قامت بها الأحزاب العلمانية والعصرية، التي تقوم قناعاتها على الفرز الايديولوجي الحديث أيضا.

في ضوء هذه الوقائع يمكن القول إن البلدان الإسلامية والعربية دخلت فعلا مرحلة من الانقسام السياسي الجديد يقوم على قاعدتين من الاستقطابات:

الأولى تتمثل في الأحزاب العصرية، التي تتركز قوتها على الأقليات وبعض القوى الحديثة العهد، التي تكونت ايديولوجيتها في ظل مناخ السيطرة الغربية الرأسمالية.

القاعدة الثانية تتمثل في الكتل الشعبية، التي تستمد قوتها من الروابط التقليدية، التي عجزت التحديثات العصرية عن اختراقها... وتتشكل هذه الكتل الاجتماعية من الجسم الرئيسي للشعوب الإسلامية والعربية، الذي يمثل الأكثرية الساحقة من الناس.

انطلاقا من هذا الفرز السياسي الحاسم نستطيع أن نفهم مجموع الظواهر، التي برزت في عدة بلدان إسلامية وعربية، التي شكلت لعدة فئات وأحزاب سياسية «صدمات كهربائية» عجزت بعدها عن تفسير معاني وخلفيات هذه الظواهر، التي نمت بسرعة وتشكلت بقوة في تيارات جماهيرية شديدة العداء للغرب و «إسرائيل» وقوى التحديث القسري أو العصرنة الخارجية.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2156 - الخميس 31 يوليو 2008م الموافق 27 رجب 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً