العدد 1819 - الأربعاء 29 أغسطس 2007م الموافق 15 شعبان 1428هـ

القرية في السينما... صراع مع العادات والتقاليد

لم تكن أكثر من ديكور

الفن السابع، أو فن الصورة، هو الفن الذي وثق لمفهوم التسجيل والتدوين بشكل حي أو حقيقي خصوصا للمكان إذ إن المكان هو البطل الفاعل في السينما· والقرية كمكان تم تناوله في الكثير من الأفلام خلال تاريخ السينما وسجلت هذه الأفلام تاريخ الدولة وظروفها الاجتماعية والسياسية.

ولقد اختلفت أساليب التناول من مخرج إلى آخر إذا وضعنا في الاعتبار اختلاف درجات الوعي من مخرج إلى آخر، وإذا وعرفنا أن المخرج هو قائد العمل وصاحب الرؤية التي تحكم آلية العمل... ولذلك لايمكن أن ينفصل الفنان عن فكره... ومن هنا برع بعض المخرجين في تصوير الواقع الريفي سواء كانوا ينتمون إلى أصول ريفية أم لا.

وخضعت القرية المصرية لتفاسير متباينة حين اقترب منها الفن السابع بعد تعثره لسنوات في بحثه عن مادة درامية تؤسس لموضوعات من الحياة يتم تجسيدها على الشاشة، فلم تكن مصادفة أن يبدي المخرج محمد كريم إعجابه برواية «زينب» لمحمد حسنين هيكل ليحقق بها ريادة إبداعية كأول رواية عربية خالصة بعيدا عن الاقتباس والتمصير والتقريب وغيرها من أساليب التحايل والإفتقار إلى مخيلة إبداعية خصبة، إضافة إلى أن «زينب» تتناول أحوال القرية المصرية في ذلك الوقت·

وقبل أن نتتبع سيل الأفلام المصرية التي عبرت عن واقع القرية المصرية عبر مراحل زمنية متباينة، نعود إلى العام 1896م... إذ انطلق مخترع السينما الفرنسي «لومبير» في شوارع باريس يصور حركة الشخوص في الشوارع والميادين وتجمعات المقاهي... واكتفى بتسجيل اللقطات الحية تعبيرا عن فرحته الغامرة باختراع تلك الآلة الساحرة، وأوفد لومييرالكثير من معاونيه ليلتقطوا المناظر المتحركة في مختلف أرجاء العالم·

ولم يكن غريبا أن تعرف بلاد الشرق العروض السينمائية، لتجذب ملايين المشاهدين لهذا الفن المستحدث... الذي أصبحت له دور للعرض ورقابة خاصة به... ثم بعدها إنشاء رجل الاقتصاد طلعت حرب «ستوديو مصر»... وانجذب عشرات الشباب في ذلك الوقت إلى سحر الصورة المتحركة على الشاشة البيضاء، وراودهم الحلم أن يكونوا من صناع سينما مصرية خالصة... فها هو المخرج محمد كريم يعود إلى مصر العام 1926م من ألمانيا... بعد أن درس هناك الإخراج السينمائي· ويروي الناقد رجاء النقاش رحلة محمد كريم لإخراج فيلم «زينب» بقوله: كان محمد كريم قد قرأ بالمصادفة رواية «زينب» التي رفض مؤلفها أن يوقعها باسمه الصريح واكتفى بأن يقول إنها بقلم «مصري فلاح»... وظلت هذه القصة مجهولة المؤلف حتى سنة 1929، أي بعد صدورها بخمسة عشر عاما على التقريب، ثم عرف الناس مؤلفها الحقيقي في طبعتها الجديدة، وكان هذا المؤلف هو محمد حسنين هيكل·

ويضيف النقاش: وعندما قرأ كريم قصة «زينب» أعجبته إلى أبعد حد، فقد وجد فيها أول قصة مكتوبة باللغة العربية التي تقترب من المفهوم الصحيح للقصة كما يعرفها أهل هذا الفن من الغربيين، ولأنها من ناحية أخرى تتضمن التعبير عن عاطفة عميقة نحو مصر، فقد كتبها مؤلفها وهو في بعثته إلى فرنسا، وكتب بعض فصولها وهو يقضي إجازته في سويسرا، وكان في ذلك الوقت يشعر بحنين كبير إلى وطنه، وسيطر عليه هذا الحنين إلى الوطن سيطرة تامة وهو يكتب الرواية، فخرجت الرواية وكأنها أغنية حب في تمجيد وطنه عن طريق الشخصيات والمواقف المختلفة التي تملأ هذه الرواية·

من هنا وجد محمد كريم في رواية «زينب» عملا فنيا حيا، وقرر أن يكون أول عمل في حياته السينمائية هو إخراج هذه القصة على شاشة السينما، على أن رواية زينب، لم تكن رواية ريفية تصف القرية ومشكلات أهلها وعاداتهم فقط، بل كانت إلى جانب ذلك رواية «رومانسية»، تصور مأساة الحب الفاشل الملئ بالدموع والحرمان، فبطل القصة حامد يفشل في علاقته بخطيبته وقريبته عزيزة، ثم يفشل في حبه للفتاة الفلاحة «زينب» والفشل في الحالتين يعود إلى التقاليد والظروف القاسية التي سادت المجتمع المصري في ذلك الوقت·

وبعد هذه البداية القوية لم يعر محمد كريم «القرية» انتباها... ولم تعد مشكلاتها أو واقعها الإنساني يشغله بالقدر الذي يواصل فيه الكشف عن حقيقة هذا الواقع، بل انحرف بعد ذلك إلى تيار الرومانسية بحيث وقف على حافة الزيف والمثالية بهدف تجميل الواقع لا المصادمة معه، فقد روي عنه في تلك الفترة أنه كان حريصا على تصوير الريف المصري في أبهى صوره... فيتعمد أن تميل زوايا التصوير نحو النخيل والأشجار العالية والمساحات الخضراء... بل إن الفلاحين أنفسهم لم يسلموا من لعبة التجميل... فقد أخضع كريم المشاهد التي يظهر فيها الفلاحون إلى دقة شديدة في الحفاظ على مظهرهم «الجميل» فيتحركون على الشاشة في ملابس بيضاء زاهية، حتى الماشية كان يتم تنظيفها جيدا، وهكذا لم يستمر كريم في تناوله لواقع القرية المصرية، واستطابت نفسه للأقنعة بديلا عن التعبير الصادق عن مشكلاتها وعلاقاتها الظامئة إلى مجرى إبداعي فينضوي عنها ثوب الظلم والتعتيم، والحقيقة أن طبيعة الظرف التاريخي الذي عاشته مصر في تلك المرحلة، فرض على الإبداع الفني قدرا من «التلفيقية» والمغالاة في تجميل صورة الواقع من دون أساس موضوعي، رقابة صارمة.

لم تحاول السينما المصرية لسنوات طويلة معالجة قضايا الريف، وخضعت الأفلام في ثلاثينات وأربعينات وخمسينات هذا القرن إلى رقابة صارمة... باعدت بين المخرجين وحرية التعبير، باستثناء قلة منهم حاولوا اختراق حائط السد المنيع والتعبير عن الواقع المصري صدق ومن دون زيف... وظهرت القرية المصرية بناسها وأماكنها وكأنها قطعة من الريف الإنجليزي... فقد خشي المخرجون الاقتراب من مناطق محظورة في التعبير عن حقيقة واقع الفلاح المصري الذي أظهرته الأفلام في علاقته مع «الباشا» صاحب الأرض، وما بينهما من مودة ووئام، في الوقت الذي كان يعاني فيه الفلاح من القهر ولا يجد قوت يومه نتيجة للاستغلال والمعاناة·

وفي مطلع الخمسينات ظهرت موجة سينمائية جديدة اقتربت من «القرية» ليس بهدف تجميلها أو تزييف واقعها، ولكن بهدف التعبير الصادق عن علاقات بشر حقيقيين... فها هو المخرج يوسف شاهين يقدم فيلمه «ابن النيل» الذي جسد فيه نزوع الشاب «شكري سرحان» للخروج من قريته إلى العاصمة ثم الرجوع مرة أخرى إلى أحضان قريته وسط أسرته البسيطة ليعيش حلمه بالتحقق الذي أدرك أنه لن يكون في واقع منبت الصلة عن جذوره... وقد وصل يوسف شاهين بعد ذلك إلي ذروة التعبير عن واقع الريف المصري في فيلمه «الأرض» الذي يعد واحدا من كلاسيكيات السينما المصرية، وهو مأخوذ عن رواية للكاتب الراحل عبدالرحمن الشرقاوي تحمل الاسم نفسه، وكتب السيناريو له الراحل حسن فؤاد، وشارك في بطولته محمود المليجي وعزت العلايلي ونجوى إبراهيم ويحيى شاهين، ويتناول الفيلم كفاح أهل القرية ضد اغتصاب أراضيهم من أجل إنشاء كوبري يصل بين قصر الباشا ومصب المياه... وعلى رغم أن زمن الحوادث في أربعينات هذا القرن فإنه يؤكد على صلابة الفلاح المصري وعناده من أجل استرداد الحق... والذي تبلور في مشهد النهاية ومحمد أبوسويلم الذي جسده ببراعة محمود المليجي... وهو يتشبث بالأرض على رغم الأغلال التي قيدته ولعل يوسف شاهين قد رأى في «الأرض» واقعا استثنائيا لوقائع أفلامه، فسرعان ما عادت مرة أخرى إلى عالم الأثير في المدينة·

الزوجة الثانية

ويقترب مخرج كبير آخر من القرية وهو الراحل صلاح أبوسيف... الذي أشتهر بأبو الواقعية في السينما المصرية ودارت غالبية أفلامه في الحواري الشعبية... لينطلق في فيلمه «الزوجة الثانية» عن قصة للكاتب الراحل أحمد رشدي صالح... ويتناول واقعا مغايرا لأفلامه السابقة... ويشير إلى مناطق الظلم الواقع على القرية المصرية في زمن ما قبل ثورة يوليو... ومدى أنانية العمدة ومعاونيه، والذي يتجلى في مشهد تطليق «سعاد حسني» الفلاحة الفقيرة من زوجها «شكري سرحان» عامل الطاحونة الفقير من أجل أن يتزوجها العمدة «صلاح منصور»... وكيفية التغاضي عن شرع الله الذي يقضي بعدم إتمام الزواج إلا بعد إنقضاء شهور العدة... وينتهي الفيلم بإنتصار الحق وعودته إلى مستحقيه، ولعل الفيلم الأخير لأبوسيف «المواطن مصري»، هو اقتراب آخر من واقع القرية المصرية والفيلم مأخوذ عن قصة الحرب في بر مصر للكاتب يوسف القعيد، حيث يشير الفيلم بأصابع الاتهام نحو مغتصبي انتصار حرب أكتوبر/تشرين الأول من الأبطال الحقيقيين الذين ضحوا بأرواحهم من أجل استرداد الكرامة والعزة، وفي إطار هذا المعنى يتعرض الفيلم للعلاقات الجائرة في فترة السبعينات ومدى انتزاع الحقوق التي أكدتها ثورة يولي/تموز، ليستعيد العمدة عمر الشريف أملاكه التي وضعتها الثورة تحت الحراسة والتي لم تحقق له الإنفلات من العجز الذي أصابه، فحاول استعواضه بالحفاظ علي ابنه الوحيد المدلل من زوجته الثانية صفية العمري، ويساوم واحدا من خفرائه (عزت العلايلي) من أجل أن يذهب بدلا من ابنه إلى التجنيد بعد تزوير الأوراق... وبعد استشهاد «مصري» في حرب أكتوبر يصر العمدة على أنه ابنه بموجب الأوراق، ويضيع الابن والأرض معا، ليغتصب العمدة كل شيء حتى فخر الاستشهاد يسطو عليه!

صرامة التقاليد

استطاع المخرج حسين كمال في أفلامه الأولى أن يؤكد بصمته الخاصة في تناوله لموضوعات مغايرة بلغة سينمائية متطورة، وفي فيلمه «البوسطجي» المأخوذ عن قصة للكاتب الراحل يحيي حقي... يتعرض إلى واقع القرية في جنوب مصر، ومدى صرامة العادات والتقاليد، التي تكبل انطلاق الفرح وحرية الأحاسيس التي باتت مقيدة بفعل الجمود والفقر وتعاظم فكرة الثأر، ليرصد البوسطجي «شكري سرحان» الوافد من العاصمة هذه الطقوس والحياة البطيئة، فيصيبه الملل والسخط، فيقدم على فتح الخطابات المتبادلة بين أهل القرية وذويهم في البلاد البعيدة، فلا يجد فيها ما يثيره حتى يقرأ رسائل عاطفية بين فتى وفتاة، ويتتبع تنامي العلاقة التي حكمت عليها التقاليد بالموت، ولايستطيع «البوسطجي» أن يفعل شيئا لإنقاذ الفتاة التي تورطت في علاقتها مع الشاب الغائب، والتي يكبر حملها يوما بعد يوم ويكتشف أبوها صلاح منصور ما حدث، فيقرر قتل الفتاة، وينتهي الفيلم بمشهد مأسوي والأب يحمل ابنته بعد أن قتلها، والبوسطجي يعدو وهو يمزق ركام الرسائل كصرخة احتجاج على هذا الواقع الذي فرض مثل هذه العلاقات الجائرة·

ويعيد حسين كمال التجربة في فيلمه «شيئ من الخوف» والذي تدور حوادثه أيضا في قرية صعيدية وهو مأخوذ عن رواية لثروت أباظة وكتب السيناريو والحوار عبدالرحمن الأبنودي ووفية خيري... وتدور حوادث الفيلم عن «عتريس» الأب الذي يزرع الشر في قلب حفيده الصغير «عتريس» ليواجه الحياة بالعنف وقوة الاغتصاب... ويكمل الحفيد مسيرة الجد الذي صرعته رصاصات «النار» ويصمم عتريس على مواصلة الدرب، وتتوالى حوادث العنف في القرية الصغيرة، وتفرض الاتاوات والجبايات ولايقدر أحد أن يعبر عن ثورته، وتمضي الحوادث بزواج عتريس من فؤادة، لتتوحد صرخات الفلاحين مرددة «زواج عتريس من فؤادة باطل»... ويحترق القصر من حول عتريس ليواجه مصيره وحيدا في مواجهة الجموع الصاخبة، وبعد انتهاء التصوير ترددت الرقابة في عرض الفيلم... إذ اعتقد البعض أن الفيلم إسقاط مباشر على شخصية عبدالناصر... الذي شاهد الفيلم في عرض خاص، وحسم الأمر بموافقته على عرض الفيلم... مؤكدا أن البلد لا تحكمها عصابة وليس هو المقصود بعتريس.

وبعد هذا الحصاد مازالت السينما المصرية تحاول الاقتراب من «القرية» كمكان له خصوصيته وفرادة علاقاته المتجددة على الدوام، وإن بقيت «القرية» في معظم هذه الأفلام رمزا للتأكيد على صراع ما أو نبذا لعادات وتقاليد بالية... وهكذا تراوحت الرؤي وتباينت ولم تتشابك بواقعية خالصة مع معطيات الواقع الريفي إلا في حالات استثنائية ونادرة·

العدد 1819 - الأربعاء 29 أغسطس 2007م الموافق 15 شعبان 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً