العدد 2294 - الثلثاء 16 ديسمبر 2008م الموافق 17 ذي الحجة 1429هـ

الحذاء وثقافة «راعي البقر»

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

قبلة الوداع التي أطلقها الصحافي العراقي منتظر الزيدي على رأس الرئيس الأميركي جورج بوش تختصر قصة علاقة فرضت بالقوة من طرف واحد. فالحذاء الذي أخطأ الهدف اختتم رسالة كانت تحتاج إلى توقيع. والرسالة الواضحة في إشاراتها وألغازها جاءت في لحظة التوقيع على «الاتفاقية الأمنية» بين التابع والمتبوع أو بين المستفيد من الاحتلال وقائد الاحتلال. واتفاق الذل الذي حاول بوش اختتام عهده به تم توقيعه بالحذاء.

موضوع الرمي بالنعل سيأخذ مجاله الثقافي بين معترض على استخدامه ضد ضيف تقتضي العادات بتكريمه وبين مؤيد يعترض على زيارة مجاملة في وقت تتوافق القراءات على أن العراق يتجه نحو الانهيار والتفكك.

ثقافة الحذاء ليست ثقافة وإنما إشارة ترمز إلى اعتراض غاضب على سياسة أودت ببلاد الرافدين وأنهكت الشعب وبعثرته إلى ملل ونحل وشتته إلى محافظات وأقاليم متناحرة وقضت على أكثر من مليون من سكانه وشردت سبعة ملايين في إطاره الجغرافي وهجرت أربعة ملايين إلى خارج الأرض بحثا عن أمكنة آمنة ومصادر رزق.

ثقافة الحذاء التي تعامل معها البعض بحياء والبعض الآخر بخجل هي نتاج سياسة «راعي البقر». ومن يزرع هكذا سياسة يحصد هكذا ثقافة. والضيف الثقيل الدم الذي يتوجه لحضور عشاء من دون دعوة ويحاول فرض حضوره على الجمهور لا يعامل عادة إلا باستخفاف واشمئزاز.

الإدارة الأميركية توجهت قبل سبع سنوات إلى العراق من دون دعوة وفرضت على شعبه سياستها من طريق الإكراه والقوة وادعت أنها فعلت فعلتها لأسباب خيرية وإنسانية وأنها تتوقع أن يتشكرها الشعب على حربها العادلة التي ستظهر براعمها بعد عمر طويل. «منتظر» لم يصدق الكذبة ورفض انتظار عمره الطويل ليتعرف على نتائج سياسة يقال في واشنطن إنها تتطلب الوقت حتى تتشكل ألوانها وتتوضح صورتها اللامعة والجاذبة. «منتظر» رفض الانتظار وسدد ضربته على الهدف الصحيح ليختصر بالحذاء مسافة زمنية كان لابد من انقضائها حتى تتكون صورة ذاك «النموذج» الذي وعدت إدارة بوش المنطقة به.

الحذاء هو صورة مصغرة عن ثقافة «نموذج» تبرع «راعي البقر» في تأسيسها في بلاد الرافدين ومن ثم تصديرها إلى الجوار العربي - الإسلامي بوصفها تمثل ذاك الشكل المتقدم على المحيط الجغرافي. «الكاوبوي» يصر حتى الآن أنه انتصر أو قاب قوسين من الانتصار وأن العراق في وضعه الراهن أفضل بكثير مما كان عليه سابقا، وأن منطقة «الشرق الأوسط» أصبحت في حاضرها متقدمة قياسا على ماضيها. وحين يكون «الكاوبوي» غير مستعد للاعتراف بالفشل ويرفض الاعتذار ولا يتأسف على ما حصل من دمار وخراب فإنه يكون قد ساهم في تأسيس ثقافة تتعامل مع سياسة بالأسلوب المشابه. فالحذاء هو الوجه الآخر لثقافة «راعي البقر». ومن يتباهى بالإنجازات الكارثية التي حققها لا يستحق في النهاية سوى هذا النوع من التكريم.

مأساة منتظر

مشكلة إدارة بوش أنها حتى الآن لم تستوعب الدرس ولم تتعلم من تجربتها. وتصرفات طاقم الإدارة تشير إلى وجود نوع من قلة الانتباه لتداعيات تلك الصدمة الثقافية التي أحدثتها الولايات المتحدة في العراق ومحيطه خلال السنوات السبع الماضية. حتى الآن تتعامل إدارة واشنطن مع الكارثة وكأنها مجرد خطأ تقني كان لابد منه لتحقيق الصدمة. والصدمة إيجابية برأي إدارة بوش في نتائجها وخلاصاتها البعيدة المدى حتى لو لم يتفهمها الشعب العراقي.

المشكلة إذا برأي واشنطن تكمن في أهل العراق. وشعب بلاد الرافدين يتحمل مسئولية الفشل لأنه لم يدرك حتى الآن المعاني الحضارية لتلك الإنجازات غير المرئية التي نجحت الولايات المتحدة في تحقيقها بأسرع وقت ممكن.

هناك مكابرة أميركية يقودها بوش تعتمد سياسة تزيين الكارثة وتلوينها وإقناع الشعب العراقي بها حتى لو كانت المشاهد اليومية تؤشر إلى «نموذج» يصعب تخيل حصوله في كوابيس الليل. مأساة «منتظر» أنه لم يصدق الخدعة ولم ينتظر طويلا للتعرف على تلك البشائر الموعودة والموقوفة حتى الآن في المستوعبات والمستودعات. المشكلة برأي بوش في الناس والشعب وأهل العراق وليست بسياسة إدارته. حتى حين تلقى ضربة الحذاء اعتبر بوش الضربة من إنجازات عصر الحرية الأميركية التي تعطي الحق في التعبير وهي ما أخذ الشعب العراقي يتنعم بها في عقله من دون أن يدركها في قلبه.

شرح بوش لرمية النعل يمثل إضافة نوعية على تلك المكابرة وذاك العناد الشخصي في رفض التعامل بعقلية نقدية لتلك الثقافة التي أنتجتها سياسة «الكاوبوي». فالتعليق السريع الذي أطلقه بوش على ضربة الحذاء تعكس عدم استعداد الإدارة للاعتراف بالحقائق الميدانية والإصرار على تسويق بضاعة زائفة تحت مسميات تستفز المشاعر وتثير الغضب وتدفع البشر إلى تصرفات عشوائية ومجنونة.

مأساة «منتظر» أنه لم يفهم بوش ولم يأخذ وقته ليعتاد على الحرية الأميركية. وبوش في تعليقه على ضربة النعل أوضح مباشرة تلك الملابسات المنطقية بين الحرية وعدم وعيها.

«منتظر» مارس الحرية من دون انتباه لشروطها وهو في المعنى المضاد لها كان نتاج ذاك الانتصار الذي حققه بوش من دون انتباه العالم وإعجاب الولايات المتحدة وتقدير الشعب العراقي. ومثل هذا الانتصار الأميركي يحتاج فعلا لمثل هذا الحذاء العراقي.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2294 - الثلثاء 16 ديسمبر 2008م الموافق 17 ذي الحجة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً