العدد 635 - الثلثاء 01 يونيو 2004م الموافق 12 ربيع الثاني 1425هـ

ثلاث قمم لإعادة هندسة الكون!

صلاح الدين حافظ comments [at] alwasatnews.com

فيما بين الثامن والثامن والعشرين من شهر يونيو/ حزيران الجاري، تنعقد ثلاث قمم «غربية»، بجدول أعمال يكاد يكون واحدا موحدا، على قمة مهمة أوروأميركية، هي إعادة هندسة العالم وتنظيم الكون... وأول الغيث، نحن!

وقد أعطت هذه القمم نفسها، حق هذا التنظيم وهذه الهندسة، من دون غيرها من شعوب الأرض، لأنها تعتقد أنها وحدها الأكثر حكمة والأعمق رشدا، بحكم أنها الأكثر تقدما والأشد ثراء، ولذلك فمن حقها وواجبها أن تفرض رعايتها/ سطوتها وتصدر قرارها/ نفوذها وتملي إرادتها/ هيمنتها/ على باقي شعوب ودول الأرض، الأقل تقدما والأكثر فقرا، ومن أكثر منا تخلفا وفقرا؟!

ونتصور أن انعقاد القمم الثلاث، قمة الدول الصناعية الثماني، في ولاية جورجيا الأميركية يوم الثلثاء المقبل 8 يونيو، وقمة حلف الأطلنطي في اسطنبول التركية يوم 28 يونيو، وفيما بينهما القمة الأوروبية الأميركية، لابد أن القراء يذكرون، وخصوصا محبي قراءة التاريخ، ما كان يحدث في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حين كانت تنعقد القمم بين الامبراطوريات الأوروبية «الاستعمارية» لتقسيم النفوذ وتوزيع السلطات والثروات في العالم، وخصوصا في آسيا وإفريقيا والأميركيتين.

ولابد أن ذلك يذكر القراء مرة جديدة، بأن الليلة أشبه بالبارحة، فقد كان العالم العربي، وخصوصا مصر، أهم ضحايا التقسيم القديم. ولايزالون حتى الآن أهم ضحايا التقسيم الجديد، وفي الحالين - للمفارقة الصارخة - ظل العرب غائبين مغيبين بصورة أو بأخرى عن موائد القمم وحفلات التقسيم ومعارك توزيع النفوذ!

ولا معنى هنا ولا فائدة، مثلا من دعوة خمس دول عربية، لكل منها احترامها لدينا، إلى المشاركة في قمة الدول الصناعية الثماني في جورجيا، تحت رعاية الرئيس الأميركي بوش، ذلك أن شروط الدعوة كما هو معلن، أن ينعم رئيس كل من هذه الدول العربية، بثلاث دقائق كاملة!! يشرح فيها وجهة نظره، ويعرض مشروعه للإصلاح، ويقدم رأيه فيما تعرضه الأمم الغربية من مشروعات إصلاح هذا العالم العربي والإسلامي المتخلف المتطرف!

وقبل أن نخوض قليلا، فيما هو مطروح على قمة جورجيا بعد أيام، وعلى بعد عشرات الآلاف من الأميال، يجدر بنا أن نتذكر ما طرحته علينا قمتنا العربية التي انعقدت وانفضت بحمد الله، في تونس، فثمة ما يثير الأسى والشجن، حين يضطر المرء إلى المقارنة بين ما جرى في تونس العربية وما سيجري في جورجيا الأميركية...

لن نكرر ما قلناه وقاله غيرنا عن خيبة الأمل من قرارات القمة العربية الأخيرة، فقد بات ذلك شائعا بين الناس كافة، ما زاد الإحباط إحباطا، لكن وقائع ما جرى، تكشف أن هذه القمة شهدت سباقا محموما بين الدول العربية، نحو قمة جورجيا تحديدا، من يصل إليها أولا، ومن يحمل إليها أفضل الرسائل، من يقدم نفسه إليها قائدا أو حتى ممثلا للعرب المستهدفين، وكيف سبيل الوصول، هرولة، أو سيرا على الماء، أو زحفا أو تباطؤا وتمنعا؟!

وفي هذا تسابق المتسابقون، ودارت المبارزة علنا أحيانا، وبالغمز واللمز أحيانا أخرى، بالتصريح أو بالتلميح، وانقسم المتسابقون إلى ثلاث فئات، فئة تبنت صراحة الطرح الأميركي والأوروبي لمشروع الإصلاح في العالم العربي، على أساس المشروع الأميركي المعروف بـ «الشرق الأوسط الكبير»، وبنت موقفها على أن ما تطرحه أميركا وتسانده أوروبا، لا نستطيع مقاومته، ومن ثم فقبوله فورا هو خيط النجاة من المقصلة، وفئة أخرى رأت أن فرصة الإصلاح من الخارج فيها فجاجة تحمل الطابع الاستعماري، من حيث الشكل، وإن كان المضمون، أي الإصلاح ذاته أصبح مقبولا بشروطنا، أما الفئة الثالثة فقد التزمت الصمت طويلا والباطنية أسلوبا، انتظارا لما تسفر عنه هذه المبارزة!

هكذا باختصار ستقرر قمة جورجيا الأميركية، ما تريده الإدارة الأميركية، ليلقى الدعم الأوروبي هناك، ثم تعتمده القمة الأوروأميركية من بعد، وأخيرا تصدق عليه قمة الأطلنطي في اسطنبول، وتحوله من إعلان مبادئ عن الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، إلى خطط عمل وبرامج تنفيذ، تحت إشراف هذا الحلف العسكري الغربي، الذي اكتسب خلال العقد الأخير بعدا سياسيا واستراتيجيا شديد الوضوح... بينما أصحاب القضية، العرب والمسلمون في حال غياب من حيث المبدأ، ومن حيث القرار، ومن حيث التطبيق، مع احترامنا لحضور العرب المدعوين مراسميا فحسب!! لأنهم فشلوا في قمة تونس الأخيرة، في تحديد المبدأ، وفي اتخاذ القرار، وفي الاتفاق على أساليب تطبيق الإصلاح الذي يعنيهم، وفضلوا تلقي أوامر الخارج...

على مدى شهر يونيو 2004 الجاري، وفيما بين قمة جورجيا للدول الصناعية الثماني، التي تبدأ يوم الثامن، وبين قمة حلف الأطلنطي في اسطنبول يوم الثامن والعشرين من الشهر نفسه، سيتقرر مصير العالم العربي، امتدادا إلى جزء كبير من العالم الإسلامي، وتحديدا فيما بين موريتانيا غربا، وأفغانستان شرقا...

وتقدير المصير هنا وفي هذه الظروف وبهذه الوسيلة، يعني أن الغرب الأوروأميركي قرر، العودة مرة أخرى وبصراحة شديدة إلى عهود الاستعمار الامبراطوري الغربي القديم، مستعيدا كل أفكار وأساليب ونظريات وتطبيقات هذا التراث الاستعماري، قافزا فوق عقود ممتدة دامية مضحية من الاستقلال والتحرر الوطني، ومغلقا ملفا ساخنا أدمى جسد العصور الاستعمارية باسم الثورات والانقلابات وحركات التحرير في العالم القديم عموما، وفي العالمين العربي والإسلامي خصوصا...

في قمة جورجيا سيطرح المجتمعون مشروعا جديدا للإصلاح في هذين العالمين، يمزج بين الأفكار الأميركية التي جاءت في مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، وبين المبادرات الأوروبية - الأخف لهجة والأكثر دبلوماسية وحنكة - وبين التحفظات الروسية الخجولة، من دون أن يأخذ شيئا من المبادرات العربية، بعد أن غامت الرؤية العربية، وفشلت قمة تونس في صوغها وفي تحديد آلياتها، فإن كان العرب فشلوا فلماذا يفرضون فشلهم على الآخرين، الذين تضررت مصالحهم الكونية «الاستعمارية» من تراكم الفشل السياسي الاقتصادي الاجتماعي الثقافي في منطقة حساسة معبأة بالمصالح الغربية؟!

في قمة جورجيا سينتقل المشروع الجديد لإصلاح العالمين العربي والإسلامي، إلى القمة الأوروبية الأميركية، لينال الموافقة السياسية، ومنها إلى قمة الأطلنطي، لتصبّه هذه في برامج تنفيذية، تحدد أولويات التنفيذ وآليات التطبيق، وتوزع المسئوليات من خلال أذرع هذا الحلف العسكري، التي تمتد سرا وعلنا في عمق الدول العربية والإسلامية، «في ظل صمت الحملان»، عبر ما يسمى الشراكة العسكرية والأمنية لمقاومة الإرهاب، بعد المشاركة الاقتصادية الاجتماعية الثقافية، لمقاومة ثقافة التطرف وجذور التعصب ودوافع الإرهاب الذي يقلق الحضارة الغربية.

بعض الدول المشاركة في هذا الطرح الجديد، وخصوصا من أوروبا، تفهمت دوافع قلق دول عربية معينة، مثل مصر والسعودية وسورية، من فرض الإصلاح بمبادئ أجنبية وتطبيق خارجي، وبعضها الآخر تشجع بترحيب دول عربية أخرى بالمشروع الأميركي أساسا، لكننا نتصور أن الجميع اندهش كثيرا من حال التردد والخلاف العربي بشأن صوغ رؤية عربية موحدة، أو حتى متناسقة لضرورات الإصلاح وأساليبه، وخصوصا أن الجميع يدرك مدى حاجة العرب فعلا إلى إصلاحات جوهرية في نظم الحكم والسياسة والاقتصاد وحال المجتمعات المتخلفة.

ولن يغني هنا ادعاء واضعي المشروع الأميركي الجديد، من أن المشروع أخذ علما وراعى في صوغ أفكاره، تلك الأفكار والمبادئ التي أفرزتها مبادرات عربية عدة، وخصوصا «وثيقة الاسكندرية» للإصلاح العربي، الصادرة في مارس/ آذار الماضي... فهذا كله مثل التوابل التي توضع على «الطبخة» لكي تغير مذاقها ولكنها لا تعدل في موادها ومكوناتها الأصلية...

لن يغني المشروع الجديد أيضا، ولن يقلق أبصارنا ويعمي بصائرنا، عن تركيزه المفرط - لهدف في نفس يعقوب - على الإصلاح السياسي الاقتصادي الثقافي الداخلي في كل دولة عربية، مع تجاهل أهم عوامل التخلف وعوائق الإصلاح، وخصوصا احتدام الصراعات المسلحة في المنطقة، من الصراع الوطني ضد الاستعمار الغربي، مرورا بالصراع العربي الإسرائيلي، وصولا إلى الصراع الدموي في العراق حاليا الناتج عن الغزو والاحتلال الإنجلوأميركي...

ولن يصرفنا المشروع الأوروبي الأميركي الجديد كذلك، عن حقيقة التقصير العربي الرسمي، الذي وقعت فيه النظم الحاكمة تجاه الشعوب المحكومة على مدى عقود طالت، فإذا به ينتج كل هذا التخلف والفقر والعجز والفشل الشامل، الذي استدعى اليوم، عقد قمم الغرب لفرض الوصاية علينا بمبادئ استعمارية وأساليب عسكرية قهرية وضغوط سياسية اقتصادية سافرة، تبدأ بالعالم العربي والإسلامي الآن، وتمتد غدا إلى غيرنا، في إطار استراتيجية كونية هدفها إعادة هندسة خريطة العالم، وتوزيع النفوذ وتقسيم الثروات والسلطات والاختصاصات.

فمن المخطئ ومن المصيب، الذين عرفوا مصالحهم فبدأوا بالدفاع عنها، أم الذين باعوا مصالحهم وتراخوا في الدفاع عنها حتى الاستسلام؟!

خير الكلام:

قال حكيم:

الغريب... من لم يكن له حبيب

إقرأ أيضا لـ "صلاح الدين حافظ"

العدد 635 - الثلثاء 01 يونيو 2004م الموافق 12 ربيع الثاني 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً