العدد 884 - السبت 05 فبراير 2005م الموافق 25 ذي الحجة 1425هـ

السيد السيستاني ونقل الخطاب من المواجهة إلى المراجعة

سيد ضياء الموسوي comments [at] alwasatnews.com

قبل اسبوعين التقيت مع مراسل الـ "BBC" وطلب اللقاء للحديث عن مجريات الحوادث في العراق ومدى تأثير تسلم الشيعة لسدة الحكم هناك، أجبته بكل وضوح بأن الشيعة لم يأتوا من المريخ، وهم ليسوا بدعة من بدع السياسة، والشيعة لن يستأثروا بالقرار السياسي، وهكذا يجب أن يكونوا، فليس لأحد أن يختطف العراق ليسجنه في مذهب معين. رؤيتي أن مستقبل العراق سيكون مستقبلا تعدديا بعد أن كان الحكم الشمولي والأحادي وذو النزعة الفردية يحكمه. صدام كان يتعاطى مع العراقيين بنفسية بطركية كنسية ويكون هذا التعبير تسامحيا وإلا فالحقيقة أنه كان يتعاطى بمنطق تسلطي وبمنطق الدولة البوليسية.

البعض يتخوف من بزوغ دولة ثيوقراطية في العراق، فتكون دولة دينية ترفض المدنية. العراقيون لن يكرروا أخطاء الماضي، وتعلمون أن الشعارات الديماغوجية كرست مآسيهم. هناك محاولات واضحة للتخويف من الدور الذي سيلعبه شيعة العراق قد تقترب من الوشاية، وهناك من راح يهمس في أذن أميركا بخروج المارد النائم من القمقم على طريقة "الهلال الشيعي"، وأن "عفريت الشيعة" بدأ يبحث عن المصباح السحري للحكم من بوابة الانتخابات، وأن الشيعة سيستنسخون تجربة إيران، إذا المنطقة كلها على كف عفريت.

أنا أثق كثيرا بعقلية الكوادر الشيعية في العراق من التكنوقراط أو الطبقة السياسية الفاعلة هناك. فلعنة السياسة ومرور 30 عاما من الغربة والتشريد، والانفتاح على العلوم الانثربولوجية في الغرب إضافة إلى قراءاتهم الواسعة للكتب الفكرية النقدية لتجربتهم وإعادة قراءة خطاباتهم مع تعديل البنى الفكرية لهم من تحولهم من "فكر المواجهة" إلى "فكر المراجعة" جعلتهم يدركون فن اللعبة السياسية، فلا يقعوا في الأخطاء الكارثية نفسها التي وقعت فيها الحركات الإسلامية والليبرالية من رفع شعارات قد تورطهم وتخلط عليهم الأوراق وتكون موقعا قاتلا لهم من خلاله تدخل شياطين الدول فتجد مبررا للوشاية عليهم أو إقصائهم.

تغير البيت الشيعي في العراق وانتقاله إلى مرحلة الواقعية وتخفيف جرعات البرانويا "عقدة الاضطهاد" وانتقالهم من لغة الضحية إلى لغة اللعب في الساحة مباشرة، وخروجهم من أسر شعارات المطلق ذي المحسنات البديعية التي تغلب عليها مفردات الإنشاء سيعمل على إعادة قراءة غالبية الشيعة في المنطقة.

لذلك أعتقد أن السيدعلي السيستاني وتعامله الإيجابي مع مجلس الحكم ومن ثم المجلس المنتخب إلى تشكيل الحكومة وصوغ الدستور إلى مرحلة الاستفتاء ستدفع باتجاه عودة خطاب الشيخ النائيني، صاحب كتاب "تنبيه الأمة" إلى السطح، إذ الموقف نفسه بدأ يعود بعد أن قمع طيلة عشرات السنين.

الثقافة السيستانية ستوجد منعطفا جديدا في فكر الشاب الشيعي بأن لا يذهب ضحية للفكر الصدامي، بمعنى أن في الحياة مواقع أخرى يستطيع أن ينتج فيها، وأن يناور داخل دائرتها. إن السياسة ليست لونا واحدا، بل هناك مناطق رمادية يجب أن يحترف في التعاطي مع أدواتها، ليس مطلوبا منه أن يواجه بقدر ما يفكر في الخسائر والأرباح.

السيدعلي السيستاني آخذ في تأسيس ثقافة غيبت سنين طويلة وهو يضع بين يدي هذا الشاب جمالية مفردات اللغة البرغماتية الإيجابية على طريقة فولتير "لا تفكروا عن الناس بل علموهم كيف يفكرون"، ولا شك أن ذلك يخرجهم من أزمة السلوك الرعوي وهو تعبير عن علاقة فردية وكاملة بين الراعي وغنمه.

لهذا نحن بحاجة في العمل السياسي إلى: 1- تذويب الشحوم المتكدسة في مفاصل التفكير والمتمثلة في العقلية التآمرية، فالدنيا ليست كلها مؤامرة. 2- عقلية المحاكمة. 3- عقلية التبرير.

أتذكر هنا كلمة للدكتور حسن حنفي يقول: "العقل في العالم العربي يستخدم للتبرير وليس للنقد والتحليل". لهذا لا تعجب عندما يقول النفيسي في كتابه "الحركة الإسلامية" طيلة هذه السنين الماضية لا يوجد في المكتبة الإسلامية كتاب إسلامي واحد يقوم بقراءة نقدية لأداء الحركة الإسلامية.

طبعا، نحتاج إلى وقت كثير لتأصيل منطق الواقعية التي بدأ يكرسها السيدالسيستاني، ولكن أعتقد أن التحولات في العراق ستفرز واقعا جديدا في البيت الشيعي على مستوى الثقافة والتعاطي مع السياسة، بل وستكرس ثقافة جديدة.

الأنظمة العربية وخصوصا الخليجية منها بحاجة إلى تواصل وانفتاح أكبر على مرجعية السيستاني، أولا لأنها تمثل ثقلا كبيرا وذات صدقية كبرى وتدعو إلى تعددية سياسية في العراق "انظر تصاريح الصافي"، إضافة إلى ذلك هي تعمل على تأسيس ثقافة انفتاحية تسامحية، وهذه نقطة الأنظمة في أمس الحاجة إليها وخصوصا بعد تبدل خطاب جزء من التيار السلفي.

ثقافة التسامح ليست تكتيكية وإنما هي تأتي من عمق الإسلام، ففي نهج البلاغة للإمام علي "ع" يقول: "فهم صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

تنقل لنا كتب التاريخ أن عليا "ع" مر مع أحد أصحابه بجوار كنيسة فقال صاحبه: "طالما أشرك بالله ها هنا". فرد عليه الإمام "ع": "بل قل طالما عبد الله ها هنا". يذكرها أيضا الوائلي في خطبه. إن من حق المسيحي العراقي أن ينتخب وأن يكون له مقعد في العراق.

أعتقد أن الشيعة في العراق كانوا مخيرين بين الخطاب الثوري لمقتدى الصدر والخطاب الواقعي للسيد السيستاني، فكان الثاني

إقرأ أيضا لـ "سيد ضياء الموسوي"

العدد 884 - السبت 05 فبراير 2005م الموافق 25 ذي الحجة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً