العدد 884 - السبت 05 فبراير 2005م الموافق 25 ذي الحجة 1425هـ

الأمية... والرقابة!

حسن أحمد عبدالله comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

كأننا نعود دائما الى البدء، أو نحن نحرث في بحر ولا ندري، هكذا هي حالنا مع الرقابة في العالم العربي الذي فيه الآن، في العام ،2005 نحو 50 مليون أمي، وأكثر منهم بكثير الذين يدخلون في اطار الأمية الثقافية، وفي وقت نعاني فيه من مديونية تصل الى أكثر من 500 مليار دولار، فإن حجم الفساد في مؤسساتنا العربية يكاد يصل الى رقم فلكي، ويهدر الفساد ملايين ساعات العمل، وعشرات آلاف ملايين الدولارات، وكل ذلك لا يحرك شعرة في رأس مسئول عربي، بينما رواية او مقال يكاد يساوي عملية انقلابية على نظام حكم فتمنع، مرة بحجة خدش الحياء العام، واخرى بحجة المس بالثوابت السياسية لهذه الدولة او تلك، ودائما هناك حجة للمنع، ان لم تكن من قبل الاجهزة الرسمية فهي تكون من قبل قوى الضغط الاجتماعي، ودائما المبدع او الصحافي او الكاتب او الوسيلة الاعلامية موضع اتهام، ودائما السلطة او قرينتها "السلطة الموازية" على حق. أمام كل مشكلات التخلف العربي نسأل: ماذا يمكن ان نفعل للخروج من سلسلة الدوامات التي وضعنا انفسنا فيها؟ ودائما نجد ان الاجابة لا تفي بالغرض، فإذا كانت المسألة تتعلق بالاصلاح الاقتصادي وجدنا الجهات المستفيدة من الخلل بالمرصاد، وهي مستعدة لاستخدام الاسلحة كافة في سبيل الحفاظ على مصالحها، واذا كانت المسألة تتعلق بالاصلاح السياسي وجدنا قوى شرسة جدا في مواجهة الاصلاح تعمل جاهدة على منع زحزحة ذرة تراب من جبل الفساد، واذا ما نادينا بترك الثقافي بعيدا عن تجاذبات الفساد قيل لنا ان هذا المجال هو الأخطر، ولا يمكن ان يترك الامر على عواهنه للمثقفين، ولذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة الى ان يدوخ العالم وليس نحن فقط، ساعتئذ سنرى في خروجنا من الزمن غيابا للعالم عن الوعي، فنحن أمة لا تخطئ، ولا تتخلف، ولا تتطور، ولا تتحرك، فقد أدينا قسطنا للعلا منذ قرون عدة، ووصلنا الى قمة التطور، وها نحن ننتظر باقي أمم العالم كي تلحق بنا. منعت الرقابة في مصر مجموعة من الروايات من عرضها في معرض الكتاب، وبين نفي ادارة المعرض، وتأكيد اصحاب دور النشر العربية يدور الكر والفر، وفي كل معرض للكتاب في العالم العربي هناك لائحة لكتب ممنوعة، ولكننا لم نسأل انفسنا مرة واحدة: من هو الاقوى الكتاب أم المجتمع، الكاتب أم السلطة، الورق والقلم او عصابات تهريب المخدرات وجماعات القتل العبثي؟ ولم نسأل انفسنا أبدا: هل نريد أمة بمستوى العصر أم ان زمننا غير الزمن الذي نعيش فيه؟ ولم نسأل انفسنا: هل ما نواجهه يوميا من اعمال ترويع تقوم بها جماعات القتل العبثي يمكن ان يتوقف في ظل زيادة الممنوعات رقابيا واعلاميا. في ظل وجود 50 مليون أمي، لا يعرفون الألف من العصا، ولا يفرقون بين المشعوذ في جحره والعالم في معمله، وفي ظل وجود اكثر من هذا العدد بكثير من الاميين ثقافيا الذين لا يفرقون بين اليمين واليسار، وفي ظل وجود كل هذا الكم من حالات الانفصال بين الازواج في طول العالم العربي وعرضه، وفي ظل الكمية الهائلة من المخدرات المتداولة بين فئة الشباب، وانتشار ظاهرة تعاطي المخدرات بين الطلاب في المراحل التعليمية قبل الجامعة، نقول في ظل كل ذلك نكون نحن من يسهل لكل هذا الخراب، لأننا بكل بساطة نساعد على زيادة أوقات العبث لدى الناس من خلال التضييق عليهم في اطار تدفق المعلومات، ونضيق عليهم في مساحة الحوار، ونزيد من الامية على اختلاف تنوعاتها، لأننا بكل بساطة نجعل من وسيلة الارتقاء بالمجتمع سلاحا ضده، والسؤال: متى سنصل الى اليوم الذي لا يكون فيه أي كتاب ممنوع في العالم العربي، ولا يكون فيه أي أمي في العالم العربي، ونقتنع بأن المجتمع بلغ سن الرشد، وان الدولة العربية هي دولة مؤسسات راسخة، وليست دولة الرقابة والمنع؟

العدد 884 - السبت 05 فبراير 2005م الموافق 25 ذي الحجة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً