العدد 1232 - الخميس 19 يناير 2006م الموافق 19 ذي الحجة 1426هـ

أميركا تخرب توافق اللبنانيين على مستقبلهم

مقدّراً المبادرات العربية... فضل الله:

السيد محمد حسين فضل الله comments [at] alwasatnews.com

قدّر المرجع الديني السيّدمحمد حسين فضل الله، المبادرات المسئولة التي انطلقت وتنطلق لصون الواقع اللبناني وضمان أفضل العلاقات مع المحيط العربي والإسلامي، ملاحظاً وجود أخطبوط دولي يتحرك لتطويق هذه المبادرات. وأوضح وجود هيجان أميركي لمنع اللبنانيين من رسم برنامج للمصالحة والتوافق، ولمنعهم من صوغ مستقبلهم وتقرير مصيرهم، مشيراً إلى أن الحركة الأميركية الأخيرة ليست لمساعدة اللبنانيين كما هو معلن، بل هي عمل تخريبي ومحاولة التفافية لمنع اللبنانيين من التوافق بإرادة داخلية أو بمساعدة عربية وإسلامية. وحذّر من هم في مواقع المسئولية، من الانخراط في المخطط الأميركي الرامي إلى إحداث فوضى لبنانية داخلية. جاء ذلك رداً على سؤال في ندوته الأسبوعية عن المبادرات الداعية إلى الخير، فأجاب بما يأتي: حث الإسلام على المسارعة إلى فعل الخير وأراد لكل المسلمين والبشر أن يتلمسوا كل الطرق التي تساهم في تعميم ثقافة التكافل الاجتماعي والاقتصادي، لذلك شجّع المبادرات التي تنطلق إلى خدمة الناس، سواء أكان هؤلاء من المنتمين إلى المجتمع الإسلامي أم لم يكونوا على قاعدة أن الخير خير كله، وأن العمل به يمثل التزاماً أساسياً بمنظومة القيم السامية التي أكدها الإسلام واحتضنتها كل رسالات السماء. ومن هنا وجدنا تشجيعاً إسلامياً كبيراً على مبادرات الخير والعطاء سواء أكانت صدقات أم مشروعات خيرية، وخصوصاً إذا تمثلت في التواصل مع أصحاب الحاجات بطريقة إنسانية شفافة. لا، بل إن الإسلام وضع هذه المشروعات في دائرة الصدقات الجارية التي تجعل أصحابها يحظون برعاية الله ومغفرته، وينالون أجرهم على أعمالهم حتى بعد الموت ليكون ذلك في ميزان أعمالهم.

تثمين الأعمال الخيرية

وليس بعيداً من ذلك، نظر الإسلام نظرة إيجابية خاصة لمن ينطلق بمبادرة خير تكون بمثابة السُنّة المباركة التي يعمل الناس على أساسها فيكون الأجر الأساسي فيها لمن أطلقها. وقد روي عن الرسول الأكرم (ص) أنه قال: «من سن سنّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة...». ومن الطبيعي أن هذه السُنّة الحسنة لا تقتصر على الجانب الاجتماعي أو على الخدمات والمنافع المباشرة التي يقدمها الإنسان إلى الآخرين في الإطار المادي البحت، بل إنها تتسع للأمور الأخرى، وخصوصاً الجوانب السياسية الاجتماعية التي تهم الأمة أو المجتمع، لأن نتائجها الكبرى ستنعكس على المجتمع أو على المجتمعات برمتها، فيكون خيرها عميماً وأثرها عظيماً. ومن هنا، فنحن نكّن لكل الذين ساهموا في تقدم البشرية الاحترام والتقدير ونضع مساهماتهم، في نطاق أعمال الخير التي رفعت من شأن الإنسان بصرف النظر عن هوية هذا الإنسان أو معتقده أو جنسه، لأن الإسلام أراد الخير لكل الناس، ولاشك في أن لهؤلاء أجرهم الذي ينالونه على أساس نياتهم، إذ إن «الأعمال بالنيات...»، وأن القواعد العلمية أو التكنولوجية أو النظريات التي وضعوها، وكل المبادرات التي انطلقوا بها، هي نوافذ خير ورحمة للناس جميعاً وللبشرية جمعاء. وفي الجانب الاقتصادي أو غيره، أكّد الإسلام أهمية أن ينطلق العطاء أو أن تنطلق مشروعات الخير من خلال المبادرات الذاتية ومن خلال شعور من يطلقها بحاجة الآخرين إليها، لا أن تأتي على أساس المسألة والسؤال، وقد قال الإمام علي (ع): «والعطاء ما كان ابتداءً، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمّم»، وهنا تكمن أهمية المبادرات التي تنطلق من النفس، وخصوصاً إذا انطلقت في الإطار الفردي أو في النطاق الاجتماعي المحدود.

مبادرات الإصلاح السياسي

أما في الجوانب السياسية والقضايا المصيرية، فإن الإسلام وضع أعمال الخير والصدقات والإصلاح بين الناس في قمة الأمور التي ينبغي على الإنسان أن ينطلق بها كبرنامج يومي أو موسمي أو كحركة تمتد به على امتداد العمر. قال تعالى في كتابه المجيد: «لا خَيْرَ فِي كَثِير مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة أَوْ مَعْرُوف أَوْ إِصْلاح بَيْنَ النَّاسِ»، (النساء: 114). وهنا تبرز أهمية المبادرات الإصلاحية التي تنطلق لحفظ وحدة المجتمع أو لصون الكيانات الاجتماعية على أساس القيم السامية التي تأبى التعاون على الإثم والعدوان، كما تبرز أهميتها في الإصلاح بين الدول نفسها شريطة ألا ينطلق هذا الإصلاح في هذا الجانب لينسف مشروعات إصلاحية كبرى على مستوى الأمة، بل أن يكون جزءاً أصيلاً في البناء السياسي والاجتماعي وحتى الاقتصادي للأمة كلها. وعلى هذا الأساس، كنا ننظر دائماً بعين الرضا والإيجابية إلى المبادرات السياسية الإصلاحية التي تنطلق من داخل الأمة لتؤلّف بين القلوب أو تلك التي تحاول رأب الصدع في مكان ما لتمنع امتداد الفوضى في موقع من مواقع الأمة إلى الأماكن الأخرى، ولتعمل على انتزاع فتيل الفتنة التي يراد لها أن تأكل الأخضر واليابس في الواقع العربي والإسلامي المشتعل، والذي يشكّل لبنان في هذه المرحلة بالذات، موقعاً من مواقع التوتر فيه. ونحن في الوقت الذي نقدر بعض المبادرات المسئولة التي انطلقت وتنطلق من داخل الأمة لصون الواقع اللبناني الداخلي ولضمان أفضل العلاقات مع المحيط العربي والإسلامي، كما نقدر المبادرات الساعية إلى الإصلاح التي تنطلق من الداخل اللبناني من دون غايات سوى حفظ وحدة البلد وتوازنه والسعي إلى حماية سيادته ومستقبل أجياله، إلاّ أننا نرى أن ثمة أخطبوطاً دولياً يتحرك بسرعة كبيرة لتطويق أية مبادرة إذا لم تكن محسوبة ومرسومة لحساب مصالحه أو إذا تجاوزت الإطار العام الذي رسمه ويرسمه على مستوى المنطقة ككل وعلى مستوى رصد موقع لبنان في مشروعه ومخططه العام. إننا نلحظ هيجاناً في حركة بعض المواقع الدولية، وخصوصاً الأميركية منها، لمنع اللبنانيين من رسم برنامج للمصالحة والتوافق، ولمنعهم من صوغ مستقبلهم وتقرير مصيرهم. ولذلك فإن ما نشهده من حركة دبلوماسية وسياسية أميركية في لبنان لا يمثل التزاماً أميركياً بمساعدة اللبنانيين كما هو معلن، بل يمثل عملاً تخريبياً ومحاولة التفافية لمنع اللبنانيين من صوغ توافق داخلي بإرادة داخلية أو بمساعدة عربية أو إسلامية. إننا نخشى من أن أميركا الإدارة قد بدأت تخطّط لإحداث فوضى لبنانية داخلية، بعدما شعرت بأن اللبنانيين قادرون على حسم أمورهم وصوغ مستقبل بلدهم بعيداً من إملاءاتها، ولذلك فهي تبحث عن مواطئ أقدام جديدة على إيقاعات التوتر اللبناني الذي صنعته في الأيام الماضية وتستمر برعايته في هذه الأيام. ونحن نحذر اللبنانيين، وخصوصاً من هم في مواقع المسئولية، من الانخراط المباشر أو غير المباشر في هذا المخطط، كما نحذر الذين ينطلقون بمواقف تصعيدية خطيرة من أن هذا التجييش سينعكس سلباً على البلد برمته بعد أن يصيبهم قبل الآخرين، وعلى الجميع أن يتقوا الله في نفوسهم وفي الناس قبل أن ندخل في جحيم الفتنة، قال تعالى: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً»، (الأنفال

إقرأ أيضا لـ "السيد محمد حسين فضل الله"

العدد 1232 - الخميس 19 يناير 2006م الموافق 19 ذي الحجة 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً