العدد 3654 - الجمعة 07 سبتمبر 2012م الموافق 20 شوال 1433هـ

شخص خارج الزمان

محمد حميد السلمان comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

ما معنى أن يكون هناك شخص يعيش معك وبجانبك ولكنه ليس من هذا الزمان؟ للإجابة على هذا التساؤل واكتشاف بعضهم وما يفعلونه في هذا الزمان رغم أنهم خارجه؛ يجب أن نحل السؤال الإجبارى التالى: هل تعرف الرجل الذي تسبب بإزهاق ملايين الأرواح؟ والإجابة الإجبارية، إنه المدعو (بطرس المُكرَّم) - أسقف دير (كلونى) - الذي روج للحروب الصليبية التي أزهقت أرواح الملايين بين الشرق والغرب.

كما روج هذا الرجل لفكرة خبيثة سربها لرؤوس الأوروبيين في العصور الوسطى المظلمة حين قال بأن المسيح الدجال هو الرسول الأعظم (ص) ولذا يجب محاربته في بلاد المشرق للقضاء عليه. حدث هذا بعد أن اعتمد على نسخة للقرآن الكريم ترجمها له طلبته في ديره الذى تولى مسئوليته الدينية عام 1142م. أي قبل سقوط لشبونة البرتغالية أو «اشبونة» العربية بخمس سنوات فقط، في يد مؤسس الإمارة البرتغالية الصليبية في الشريط الساحلي الغربي (الجرف) من شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس).

ومن تلك الترجمة اللاتينية الضعيفة للقرآن وضع بطرس هذا موجزاً لتعاليم الإسلام كما تصورها. مع أن أصحابه يصفونه بأنه جمع في شخصه كل فضائل أسلافه، وأن كلماته وقار وضياء باعتبارها، كما يروجون لها، هي الدرب المُميَّز للوصول إلى الله، وأن كل من دخل دير «كلونى» أضحى قديساً.

وبما أن الحقائق التاريخية متوافرة أمام الجميع، لكن اقرأوا الكذب المصطنع الذي صدقه أتباع المدعو «بطرس»، ممن يعيشون خارج الزمان وفي جهل مدقع وإن كانوا متعلمين. فبعد أن عرض عليهم بطرس بتهكم مشاهد يوم القيامة التي انفرد بها القرآن، قال: «هكذا كان Mahumet محمد) ناشطاً جداً في الشئون العالمية، وذكي إلى أبعد حد، ثم بدأ يطمح إلى منصب المُلك على شعبه، فقرَّر أن يصبح ملكاً عن طريق السيف تحت قناع الدين وبواسطة الاسم رسول الله». ثم يعلق على القرآن الذي ترجمه له تلامذته وهو يرفض بشدة نبوة محمد (ص) زاعماً أن القرآن له مصادر هي من إبليس وأباطرة آخرين!

وبعد ذلك يتناول بطرس الجنة والنار، والتعاليم الأخلاقية ويهاجم التصوير القرآني للجنة والنار فيقول: «محمد يصف عذاب جهنم وكأنها تسرهُ حين يصفها، وكأنه كان ملائماً لرسول زائف كبير أن يخترع تلك الأوصاف. وهو يصور جنة ليست من مجتمع ملائكي، ولا من تجلي الرب، ولا من ذلك الخير الأعلى، الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». بمثل هذه العبارات الزائفة وهذا التدليس والكذب البواح ضمن المشروع «الكلوني» قام هذا الرجل بتعليم تلاميذه الذين تخرجوا من ديره على يديه. فماذا تتوقعون منهم أن يصبحوا؟

الذي حدث أنه اعتماداً على هذه التعاليم البطرسية نشأت مجموعة رهبان متعصبين ضد الإسلام ونبيه محمد (ص). ولذا تخرج من ذاك الدير جميع البابوات الذين قادوا الحروب الصليبية المدمرة، أمثال «جريجوريوس السابع» و»أدريان الثاني» وغيرهما. فتصوروا شخصاً واحداً يعيش خارج الزمان في تفكيره وتصرفاته، لأنه ليس من ناموس البشر العاديين بل هو نطفة غير طبيعية؛ يتسبب في دمار مجموعة كبيرة من البشر كما فعل ذاك البطرس دون احترام لدين أو عقيدة أو مذهب.

وعلى شاكلته كان هناك شخص آخر عانى من انحراف من نوع خاص وحصرى، وهو أنه ولد وبقبضته كتلة دم متجلطة، وقد فسرها أصحابه وكما هو متوقع منهم، بأنها علامة تقليدية تدل على أن قدره أن يصبح قائداً عظيماً! أي أن كل من تجلط الدم في يده منذ صغره لابد وأن يكون محباً لسفك دماء الملايين!

صاحب عقدة الدم المتجلط هذا هو المدعو تيموجين (جنكيزخان) الذي يُذكر عنه في كتاب «التاريخ السري للمغول» أنه صدق هذا القول عن دمه المتجلط عندما كبُر فصار قائداً في قومه وبالتالي صدق نفسه المريضة بأنه صار عظيماً بقتل الشعوب التي حوله أولاً التى لا تدين له بالطاعة، وحتى يبرر الدماء البريئة التى أزهقها قال: «أنا عقاب الرب... لو لم ترتكبوا أكبر الخطايا، لما بعث الله عقوبة مثلي عليكم».

وكذا رجل آخر من بني وطنه وطينته وهو «تيمورلنك»، الذي لم يكن نظيفاً، فبدأ في ليلة ظلماء بسرقة «صخلة»، وحملها ليهرب بها، فانتبه الراعي وضربه بسهم فأصاب كتفه، ثم أردفه بآخر فلم يصبه، ثم بآخر فأصاب فخذه وترك فيه جرحاً غائراً جعل منه رجلاً أعرج. ولهذا سمي تيمورلنك، لأن «لنك» باللغة الفارسية تعني أعرج. وعندما أصبح قائداً صار يسرق الشعوب الأخرى، وانتقم من بقية الناس من حوله بالقتل والتمثيل بالجثث. وهكذا عاش خارج الزمان وهو يعتقد عبثاً أنه من أفضل الناس في الكرة الأرضية.

والمثل الآخر من الأشخاص الذين عاشوا خارج الزمان هو المدعو (هولاكو). تزوّج أولاً حليلة والده البدوية المدعوة (طقز خاتون) وكانت نصرانية، ثم أضاف إليها عشرات الزوجات والمحظيات. وكان رجلاً عنيفاً كما أثبتت الأحداث التاريخية؛ وإن كان قد فرح وركبه الغرور في بداية نجاحاته العسكرية، إلا أنه بقي خارج الزمن.

هذه شخصيات امتازت بسلوكيات شيطانية تسببت عبر الزمن بكوارث وحرق الأخضر واليابس، وقتل العباد وسفك الدماء، وكانت تفرح بنصرهم العسكري الذي يعشش في مخيلتهم دائماً، ولهم رأي كرأي إبليس أمام آدم بأنه أفضل منه، ولذا فهم يعتقدون أنهم الأعلون في الأرض وبقية الناس خدم لهم أو دواب تمشي كالقطيع، أضف إلى ذلك، العقد التي يعانون منها في جسدهم أو نفسيتهم فيحوّلونها إلى نار جهنمية تصلى الشعوب، لمجرد ما يعانونه من تشوه خلقي أو نفسي لا علاقة للمجتمع من حولهم بوجوده في أبدانهم وعقولهم. أليسوا أشخاصاً يعيشون خارج الزمان الذي يعيشه البشر العاديون ممن ينشدون الأمن والسلام للجميع؟

إقرأ أيضا لـ "محمد حميد السلمان"

العدد 3654 - الجمعة 07 سبتمبر 2012م الموافق 20 شوال 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 4:20 ص

      تسلم يداك

      وعندنا في البلد نموذج يماهي ويناغم هذه النماذج المذكورة .. وتسلم يمينك على هذا المقال.

    • زائر 1 | 11:33 م

      يسلم قلمك

      رائع اخي ...هكذا هم الطغأة

اقرأ ايضاً