العدد 3755 - الإثنين 17 ديسمبر 2012م الموافق 03 صفر 1434هـ

يتيمةٌ اسمها... «الشفافية»

محمد حميد السلمان comments [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

جرى حوار بين صديقين في أحد شوارع البحرين. قال الأول: أطرف لافتة قرأتها في شوارع البلد تقول بما معناه: «اتصل كي لا يصل إليك»، فردّ الثاني: ولماذا الاستغراب أو حتى السخرية، اتصل لتبلغ عن الفساد كي لا يصل إليك في بلدك ومدينتك وقريتك ودارك. الأول: بمن اتصل؟ الثاني: ألا ترى؟ هناك هاتفٌ من ثلاثة أرقام فقط على اللوحة، ألا تقرأ؟ ما عدت أجيد قراءة لوحات وتصريحات هذا الزمان فنظارتي «موديل قديم».

إذا كان الرجل الثاني قد استغرب من مجرد لافتة نصبت على الطرقات في شهر ديسمبر/ كانون الأول تدعو لمكافحة الفساد، فأغرب من ذلك هو حال تلك المسكينة، الجمعية البحرينية للشفافية، التي أخذت على عاتقها مكافحة الفساد كما قال رئيسها عبدالنبي العكري في الحفل الذي أقامته مؤخراً، بالعاصمة المنامة، بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد: «مستعدون للتعاون في مكافحة الفساد مع الجميع، لكننا لن نستجدي أحداً». وهذه مشكلة في حد ذاتها أن تستجدي أحداً لمكافحة الفساد وإبعاد شبحه المخيف ليلاً ونهاراً عن بلدك. فجاء رد البعض عليه بعد أن تركوا كل أنواع الفساد الذي تكلّم عنه تقرير الرقابة المالية الأخير؛ ليسأل الجمعية اليتيمة: من أين تأتون بالمال لحفلاتكم السنوية؟ مع أنها تُقام في أرخص الفنادق وبأقل التكاليف التي لا تتعدى كم مئة دينار. ولكن هذا هو ردّ من تمرّغ في وحل الفساد، فلم يرَ من الضفدع إلا قفزاته غير المصرح بها في قانون التجمعات كما يبدو!

إذاً، اتصل لتبلّغ عن الفساد، بينما غابت كل الجهات الرسمية المدعوة - بحسب العكري - عن الحفل الذي أقامته الجمعية بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد، ربما بسبب تواضع المكان. والأغرب أن رئيس مجلس النواب كانت له كلمةٌ في الحفل، وكان سيرسل من يمثله لإلقاء الكلمة، إلا أنه اعتذر قبل ساعاتٍ بداعي مؤتمر برلمانات مجلس التعاون الخليجي! مع أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، والمشغول أكثر من رئيس النواب، أرسل كلمته للمؤتمر وقرأها على الحضور المدير الإعلامي لمكتب الأمم المتحدة في البحرين حيث قال فيها: «أصبح التصدّي لمشكلة الفساد أكثر إلحاحاً من ذي قبل، فالفساد يقضي على الفرص المتاحة ويؤدي إلى تفشي الفوارق. وهو يقوّض حقوق الإنسان والحكم الرشيد، ويكبح عجلة النمو الاقتصادي ويتسبب في اختلال الأسواق، وأن منع الفساد شرطٌ حاسمٌ لكفالة سيادة القانون».

وهنا يبرز مئة سؤال وسؤال في واقعنا المعاش: من أين؟ وممن تأتي؟ ولماذا تنفذ حالاً؟ كل المعوقات لنجاح مثل هذه التحركات الحضارية التي من المفترض أنها ترفع من قدر البلاد باعتبار أن بها جمعيةً للشفافية ترمي لمكافحة الفساد وليس نشره. أم أن للفساد أعواناً يعطّلون عملها في كل مكان ومناسبة؟ ولذا لم يهتم بأمر الجمعية اليتيمة ودعوتها أحد!

مع أن رئيس الجمعية صرّح بكل شفافية، بأن جمعيته تقف على خطٍ واحدٍ أمام الجميع في قضايا الفساد، ومستعدةٌ للتعاون مع البرلمان سواء بالتشريعات أو التحقيقات أو السياسات، ومع الدولة بمختلف أجهزتها من وزارات ونيابة عامة وجهاز الرقابة المالية والإدارية، وبالطبع مع مختلف الجمعيات السياسية والمنظمات المجتمعية من دون تمييز أو تحيّز. فالمعيار هو استقلالية الجمعية وجديّة الآخرين والتكافؤ في العمل. حتى أنه لم يستثنَ الجمعية من ذلك حين قال: الجمعية مصمّمة على المضي قدماً في النهوض بمسئولياتها في مكافحة الفساد والمحسوبية والتمييز وغياب الشفافية، بدءاً بنفسها وأعضائها... ومع ذلك لم يحضر أحدٌ ممن يهمهم الأمر!

ربما ما أزعج المستفيدين من انتشار الفساد والمتسترين عليه هو تبني الجمعية اليتيمة لمقترح «منظمة الشفافية الدولية»، بوضع ميثاق شرف موجّهٍ للحكومات والشركات والمنظمات وعموم أفراد الشعب في كل البلدان، باعتبار الفساد مرضاً فتّاكاً يخترق الدولة والقطاع الخاص والمجتمع بكل فئاته وطبقاته، وهو عابرٌ للحدود، حتى أضحى ذا طبيعة معولمة. ولذا فالتصدي له يبدأ من البيت حتى آخر نقطةٍ في العالم. وما أرعب المستفيدين من انتشار الفساد والمتسترين عليهم هو قيام «منظمة الشفافية الدولية» بتدشين حملة توعية وتوقيع على الميثاق من قبل المنظمات الدولية، ثم السعي بتضافر جهود الجميع لحملة توقيع عالمية على الميثاق.

لهذا لم يحضر أحدٌ لدعوة الجمعية البحرينية، فليكن الله في عون هذه اليتيمة... ولتعذرنا الأخت «شفافية» لأنه غير مرحّبٍ بها بيننا، حالياً على الأقل!

إقرأ أيضا لـ "محمد حميد السلمان"

العدد 3755 - الإثنين 17 ديسمبر 2012م الموافق 03 صفر 1434هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 3:36 ص

      أبومنصور

      الله يخليه أبومنصور . شمعة في الظلام حيث يكثر املنتفعون والمتمصلحون والوصوليون
      .

    • زائر 1 | 2:16 ص

      الجوكر !!

      هناك شخص جامع لكل الصفات ، مناضل سياسي ، منفي لسنوات ، قائد في جمعية سياسية محلية واقليمية امتدت من عمان الى الكويت ، من اكبر " المدافعين " عن حقوق الانسان ، القائد الل الفعلي لكثير من الجمعيات والهيئات وومحرك المطالب وشفاف للغاية وغدا ربما رئيس .... هل عرفتوه ؟

اقرأ ايضاً