العدد 4291 - الجمعة 06 يونيو 2014م الموافق 08 شعبان 1435هـ

حاجتنا إلى الخيال لا الجنون

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

لَفَتَ انتباهي أحد الأصدقاء إلى أمر مركزي في التفكير الغربي ألا وهو الخيال، أو Imagination/ Fantasy كما في اللغة الإنجليزية. وهو أمر، قد لا نتصوَّره إلاَّ إذا دققنا في أصله لديهم، وما هي مكانته في عقولهم، وكيف ينظرون إليه وبأيِّ قيمة هو موجود.

فالخَيَال كما عرفناه في لغتنا العربية هو «ما تَشَبَّه لك في اليَقَظة والحُلُم من صورة»، ثم تفاهمنا عليه سلبياً من خلال النظرة إليه كمستحيل أو أمر دونه شِيب الغراب إلى حد ما، متمثلين بما كان يقوله الشاعر: فلَسْتُ بنازِلٍ إِلاَّ أَلَمَّتْ، برَحْلي، أَو خَيالَتُها، الكَذُوب!

أما الغربيون فإن تعريف كلمة الخيال لديهم تختلف كليّاً كما هو موجود لدينا. هم ينظرون إليه على أنه «العمل على تشكيل الأفكار الجديدة، أو الصور أو مفاهيم الكائنات الخارجية غير الموجود في الحواس» مع تفصيل آخر. وهو ما يعني أن الخيال لديهم ليس مجرَّد حالة من التأمل ثم الاستدارة السلبية المتأسِّسة على الاستحالة، بل هي منطلق نحو إعادة صياغة الأفكار وتخليقها، وتجهيز الأدوات التي تجعل منها أمراً ممكناً وقائماً.

أضرب هنا مثالاً. ذلك الصديق الذي أشرت إليه، أرسلَ لي صورةً لِلَوحة رُسِمَت في ألمانيا قبل أكثر من نصف قرن (نعم نصف قرن)، يظهر فيها رجلٌ وامرأة على طاولة طعام، يُمسك كل واحد منهما بجهاز اتصال مرئي يظهر فيه الطرف الآخر مباشرة وهو يتحدث، بينما الرجل والمرأة يستمعان لمحدِّثيْهما من خلال headphone مثبَّت على رأسيهما.

هذه الصورة، تعبَّر عما ليس موجوداً في حينه، لكنه قابل لأن يصبح موجوداً، ومتوافر لدى عامة الناس وهو ما حصل، ونراه اليوم متوافر حتى لدى اليافعين. هذا الأمر يبدو عادياً في الثقافة الغربية وعقلها مع الخيال.

فهم يتصوَّرون الأشياء وهي في أرحام الخيال، ثم يبدؤون في جعلها أفكاراً مرسومة في الذهن، دون أن يجعلوا أمامها حواجز أم متاريس (أو تكسير مجاديف كما نقول في العامية)، لذا، تراهم قادرين على صناعة الجديد، الذي قد لا يخطر على بال أحد، وفق التطور العلمي والتقني والحدود العقلية، التي لم تكن يوماً من الأيام حدوداً مانعة، أو نهائية بالنسبة لهم.

عندما نرجع إلى هذا النوع من التفكير الغربي سنجد أنه ليس وليد القرن الماضي، بل ليس وليد الثورة الصناعية (1848) ولا الفرنسية (1789) بل هو قديم جداً. وقد نسترجع بالذاكرة إلى ما قبل 450 عاماً، عندما كان الفيلسوف والسياسي الإنجليزي فرانسيس بيكون يُردد قولته الشهيرة: «وُهِبَ الإنسان الخيال لتعويضه عما ليس فيه».

لقد ولَّد الخيال الغربي أهم الاكتشافات والصناعات منذ أربعة قرون وأكثر. اكتُشِف كوكب نيبتون وعلم الجيولوجيا والبيولوجيا. واكتُشِف التيار الكهربائي والبطارية والرابطة بين الطاقتين الكهربائية والمغناطيسية، وظهرت الكاميرا والهاتف والتلفاز والراديو والآلة البخارية وغيرها من الصناعات التي غيَّرت مجرى التاريخ والإنسانية.

بل إن الخيال، هو الذي جعل حتى المجتمعات النيوليثية في الحضارة الأولى القديمة، تُحوِّل من النباتات والأشجار والفواكه مواد مُعالِجَة، ومن المواد الخام والحيوانات النافقة منتجات غذائية، كما جاء في الصَّرَعات العلمية التي أنتجتها المرأة القوية، مثلما وثّقت ذلك غيردا ليرنر في نشأة النظام الأبوي.

أمر آخر يجب أن نشير إليه هنا، وهو أن الغربيين لم يقتصروا في تخيُّلهم على ما يُمكن أن يكون، بل حتى في تخيُّل ما كان، ولم يستطيعوا توثيقه بالطرق الحديثة. في العمل الحقوقي والإعلامي، عندما يُمنع الصحافيون من الدخول إلى قاعة محكمة أميركية أو بريطانية أو فرنسية، نظراً لسرية المداولات القانونية، يقوم الرَّسَّامون بتخيّل المتهم ومحاميه والقضاة ونَظَرَاتهم وهم في المحكمة، بعد أن تتوالى التصريحات خارجاً.

وفي المجال التاريخي، القائم على دراسة المجتمعات المنتهية، قام الغربيون بتخيُّل الحضارات القديمة، كحضارة مصر وبلاد فارس وما بين النهرين، والمعارك التاريخية وشخصياتها، وأعملوا خيالهم فيها بلا حد. وكل مَنْ يزر المتاحف الأوروبية سيجد توثيقاً من الخيال لكل تلك الأشياء، قام به رسامون غربيون كبار كـ دافنشي ووليام بليك وبيكاسو.

هذا الأمر مدعاة للتفكُّر والتأمُّل فعلاً، وهو يدفعنا إلى النظر بأحوالنا نحن العرب والمسلمين. ليس بالضرورة أن تكون النظرة إلى النظام المتحكم فينا فقط، بل في عموم وتفاصيل الثقافة التي نحن بصددها، والتي نتشكَّل من خلالها، ونعيش تأثيراتها.

فالفرق، أن الخيال الغربي هو مندفع إلى المستقبل من خلال حاضره، في حين نحن مندفعون إلى الماضي من خلال مستقبلنا. فالجماعات السياسية والدينية المتطرفة، التي تُمسِك بناصية المصائر، تريد أن تصيغ مستقبلنا من خلال أحداث ماضية وتاريخية، لا تنسجم لا مع ظروف الحاضر، ولا مع التفسيرات العقلية حتى، وهو ما يجعلنا رهائن للتاريخ.

إن هذا العقل العكسي، يقودنا بخطر داهم، إلى العيش في لحظة مسخ. فهو يسحبنا عنوة بما نحن فيه من أوان له طابع خاص من التفكير والعلوم والتطور، ليرمينا إلى لحظة ممحوقة ليس لها تلمُّظ ولا رائحة، وقد مضى عليها مئات السنين. وهو بالتأكيد جنون وليس خيالاً.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4291 - الجمعة 06 يونيو 2014م الموافق 08 شعبان 1435هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 17 | 3:21 م

      متابع . . . إلى الأخ علي نور (4)

      عموما نتمنى أن تنفرج الأزمة في سوريا قريبا ، ويعيش اخواننا السوريون بأمن ورخاء وسلام بعيدا عن ارهاب داعش وظلم البعث ، لا أحسب في النهاية سوى أننا جميعا نريد و نحب الخير لسوريا وإن اختلفنا في التشخيص . . وفقكم الله لما يحب ويرضى ودمتم سالمين . . . .

    • زائر 16 | 3:10 م

      متابع . . . إلى الأخ علي نور (3)

      أما من أبقى الأسد في قصره فقطعا لم يكن الشعب السوري والا لما استدعى بشار حزب الله والحرس الثوري و 15 ميليشيا عراقية كلواء أبو الفضل العباس وخبراء الروس وقوافل الدنيا ، كلنا نعرف أن التحالف الدولي الروسي الصيني الايراني العراقي هو الذي أنقذ الأسد لا الشعب السوري ، وقد اقر عضو البرلمان الايراني علي رضا زاكاني النائب الأصولي وأحد أقطاب المحافظين أن المعارضة السورية كانت قد سيطرت على 80% من الأراضي السورية قبل تدخل الحرس الثوري وحزب الله ( راجع تصريحه ) . . .

    • زائر 15 | 2:58 م

      متابع . . . إلى الأخ علي نور (2)

      اقتباس (( هناك شعب حي اسمه شعب سوري هو من حمى الاسد وابقاه في قصره )) . . . الصحيح أن جزءا من الشعب السوري وقف مع الأسد ، وإلا هل مئات الالاف الذين خرجوا بساحة العاصي بمدينة حماة يهتفون: ( سوريا بدها حرية ) ليسوا من الشعب السوري ؟ وهل مئات الالاف الذين خرجوا في حمص يهتفون : ( الله سوريا حرية وبس ) ليسوا من الشعب السوري ؟ و هل الملايين التي خرجت من درعا جنوبا إلى إدلب شمالا ومن ديرالزور شرقا إلى الاذقية وبانياس غربا ضد النظام ليست من الشعب السوري ؟ لماذا تحصرون الشعب السوري في المؤيدين للنظام ؟

    • زائر 14 | 2:51 م

      متابع . . . . إلى الأخ علي نور (1)

      بداية لسنا مع داعش والجماعات الارهابية ولا مع ارهاب وديكتاتورية الأسد والبعثيين الذين كتموا أنفاس الشعب بقانون الطوارئ 47 عاما !! في حين لم نتحمله في البحرين 3 أشهر ، إذا كانت ( بعض ) المعارضة و ليس كلها ارهابية فليس من الصحيح أن نقف مع النظام الذي هو ارهابي أيضا ( وأظنك تعرف البعثيين جيدا ) بل الصحيح أن نرفض الأمرين معا بشار وداعش ، كما رفضنا في العراق نظام صدام و رفضنا الأمريكان ، ورفضنا في ليبيا القذافي و رفضنا حلف الناتو ( رغم أنهم أعداء بعض ) ، فليس صحيحا أن نخير أنفسنا بين السيء والأسوأ

    • زائر 13 | 9:15 ص

      تخيلوا المدينة الفاضلة

      تخيلوا المدينة الفاضلة والحكومة الفاضلة والبرلمان الفاضل والحياة الرغيدة الفاضلة وستحصلون عليها ...... ...

    • زائر 10 | 5:04 ص

      والحبل على الجرار

      غزو الفضاء كان خيالا عن الغربيين فاصبح واقعا، بل وصناعة الطائرات كان خيالا ونحن اليوم نتمتع به في مواصلاتنا

    • زائر 8 | 4:54 ص

      علي نور

      الى معلق
      اسمح لي اذكرك بان ااالاف القذافي (اللي تكلمت انت عنها ) ما منعت اعتقاله من داخل انبوب مجاري مجاري ولا منعت مبارك من السجن ولامنعت بن علي من الهرب ولا منعت من سحب صدام من جحره كالجرد ..
      لكن الفرق ان هناك شعب حي اسمه شعب سوري هو من حمى الاسد وابقاه في قصره ( لمن عنده بصيره ) .

    • زائر 11 زائر 8 | 7:21 ص

      رد على تعليق الزائر علي نور حول الاسد وانتخاباته

      ستة عشر ألف من شيعة الامام الحسين سبط النبي في العراق لم تمنع قتله ولا سلب ردائه، ولا عشرين ألفا من انصار أبيه في اليمن فعلوا ذلك. وفي تاريخنا القريب لم يقم أنصار الملكية في العراق وهم بالالاف بحماية العائلة وهي تسحل في الشوارع ولا انصار عبدالكريم قاسم فعلوا معه. العبرة من كل ذلك هو ان القوة والسلاح والارهاب كان يتحكم في حياة الناس وهو ما فعله ويفعله بشار الاسد بحق السوريين الذين تبخلون عليهم بحياة ديمقراطية وبرلمان كامل الصلاحيات وقضاء نزيه ومكافحة فساد!!!!! عجبا ثم عجبا

    • زائر 6 | 2:58 ص

      متابع

      أحببت هذا الموضوع جدا ، أتمنى الاستمرار في هكذا مواضيع جميلة ، من المهم أن نعرف ما الذي نستفيده من حضارة الغرب وما الذي لا نستفيده ، شكرا للكاتب

    • زائر 4 | 2:28 ص

      شكرا

      شكرًا استاد محمد على هدا المقال الثري. نحن بحاجه الى النظر الى حاضرنا لصنع مستقبلنا لا نعيش في ماضينا كل اللدي يعيش غي غرفه مغلقه مليأه بالخرافات التاريخية

    • زائر 3 | 1:12 ص

      علي نور

      صباح الخير استاذ محمد
      نراك هذه الايام ناسي (على غير عادتك) الازمة السورية (ماتجيب طاريها) ، نراك قد غادرت الحديث عن واقع سوريا الى خيال اللغة الانجليزية ..بعد ان كنت ملازم للازمة السورية منذ بدايتها .. هل يا ترى الاف المتظاهرين الذين خرجو يهتفون (الشعب السوري كله اختار الله وسريا وبشار) كذب من ناكاذيب النظام السوري على غرار كذبه حتى في الارصاد الجوية ؟؟؟ ننتظر اجابة

    • زائر 5 زائر 3 | 2:53 ص

      متابع

      حتى القذافي كان لديه الآلآف وعشرات الآلاف من مناصريه المضللين يتجمعون بمظاهرات ضخمة في شوارع طرابلس ، مبارك جمع ألافا من مناصريه في ميدان مصطفى محمود قبالة ميدان التحرير أيام 25 يناير ، علي صالح جمع الاف وعشرات الآلاف في ساحات صنعاء لصالحه ،...................... ، . . . . . دائما كان للطغاة شعبية و إلا لما استمروا ، المزعج أن يقبل المرء بأن يكون منهم و يدافع عنهم

    • زائر 7 زائر 3 | 3:38 ص

      الأحرار والعبيد

      هنيئا للأحرار حريتهم وتعسا للعبيد عبوديتهم

    • زائر 1 | 10:16 م

      اذا ممكن

      اذا ممكن الوسط تنشر الصورة الالمانية المتخيلة قبل 50 سنة لجهاز ذو شاشة و هيدفون ، كي نستطيع اقتنائها

اقرأ ايضاً