العدد 363 - الأربعاء 03 سبتمبر 2003م الموافق 07 رجب 1424هـ

العراق الجديد وثقافة العنف

جعفر الجمري jaffar.aljamri [at] alwasatnews.com

-

إزاء ثقافة العنف التي كرسها وعممها النظام السابق في العراق، من خلال مؤسساته وكوادره وأجهزته القمعية، وبعد أن انهار النظام، يبدو أننا ازاء ثقافة هي في الصميم من رد الفعل على الثقافة الأولى التي لم تترك للثانية أخضرا لتأكله، بل أحالت الكيانات والأفراد إلى يابس يكاد يكون طابعا وسمة للحياة العراقية من أقصاها إلى أقصاها.

وهنا علينا ألا نقرأ ثقافة العنف الجديدة من منظور بروز ظاهرة المافيات وعصابات السلب والنهب، بعيدا عن الثقافة الأولى التي أتيح لها من الإمكانات والأجهزة ما لم يتح للثقافة الثانية.

على أن ما يجب ملاحظته في هذه الصدد، الشهوة في السباق مع الزمن لمراكمة صور ومشاهد ولغة لتلك الثقافة في موقف يوحي بالرغبة في التعويض عن سنوات من المصادرة والاحتواء، وفي محاولة أيضا لابتداع طرق وصور لم يكن يقدر للنظام السابق اللجوء إليها بحكم تمثيله لسلطة من المفترض بها المحافظة على النظام والاستقرار وإن في صورهما الزائفة.

الثقافة التي نحن بصددها تنزع إلى تأكيد ضرورة الالتفات إليها في ظل فراغ وصدمة أمنيتين تسببت فيهما من جهة ممارسات النظام البائد، ومن ثم سقوطه، واحلاله بنظام لا يمت بأية صلة إلى نسيج المجتمع العراقي وثقافته ونفسيته، الأمر الذي يتيح لمروجي تلك الثقافة التكهن أو التوهم بجهل القوة الجديدة - ومن خلال ثقافتها القائمة على النظام والدقة والمراجعة - بالاستراتيجية التي تتحرك وتنطلق من خلالها القوى التي باتت واحدا من المشاهد التي تشكل صورة العراق ما بعد انهيار النظام القمعي البائد.

معظم الذين يروجون للثقافة تلك ، يمثلون شرائح تورطت عميقا في الظروف التي كانت نتاجا لممارسات النظام، ومن بينها الفقر والبطالة، عدا عن المؤثرات التي أحدثتها حربا الخليج الأولى والثانية، ما وفر أرضية خصبة لبروز مثل تلك الشرائح. يضاف إلى ذلك أن قوات الاحتلال الانجلو - أميركي لم تتعاطَ مع مشكلات وقضايا المجتمع العراقي بالصورة الكفيلة باحتواء الكثير منها، بقدر ما تعاملت مع شعب ينظر إليها باعتبارها قوات محتلة مع انعدام جانب الفرز لديها بين المواطن العادي والمنتمي إلى حزب البعث البائد، ما دفعها إلى توحيد مسارات تعاطيها مع مختلف فئات وشرائح الشعب العراقي، ولم يسلم من ذلك التعاطي بعض ممن هم محسوبون على المعارضة وقضوا سنوات في المنفى وتحت سمع وبصر ورعاية الإدارة الأميركية، وليس اعتقال رئيس بلدية العاصمة بغداد، الذي عين نفسه والمحسوب على المؤتمر الوطني العراقي، إلا واحدا من تلك الشواهد.

هي ثقافة بلا شك ستعمد إلى ارباك ثقافة العراق المطردة والمتنامية والمعهودة، بما تمارسه من خروج على القانون والأعراف والقيم، ثقافة أول ملامحها التفتيت والإرباك ومحاولة الانتقام من ثقافة - وهذا هو المهم - لم تبادر بأي شكل من الأشكال أو الصور إلى الاحتجاج في وجه ثقافة الحزب الواحد والرئيس الواحد والعائلة الواحدة! ما أفرز واحدة من الظواهر الغريبة والجديدة على مجتمع عرف بعمقه الاستراتيجي والحضاري والثقافي، وبما يؤذن بتعميم تلك الثقافة في منطقة مرشحة للتدخل والاجتياح بحجج الاصلاح والتغيير وإيصال مبادئ العولمة ولو على متن الآليات العسكرية في مجتمعات تريد أن تصحو وتنام وقد توافرت لها احتياجاتها لا اجتياحات الآخرين!

إقرأ أيضا لـ "جعفر الجمري"

العدد 363 - الأربعاء 03 سبتمبر 2003م الموافق 07 رجب 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً